لعنة التفكير الأبدية

فكر أن يطلق رصاصة على رأسه لكنه تراجع، وقال ماذا لو كان الموتى أيضًا يفكرون.

لعنة التفكير الأبدية 1 28/2/2021 - 1:46 م

الفكرعند الموتى جحيم، والوعي عند الأحياء موت بطيء.

تطارده الأفكار أينما حل، تقهر مناعته الضعيفة، تتمحور كل فكرة الى مئات الأفكار وتنطلق منها آلاف التفاصيل اللامحدودة.

نظم قصيدته، غزل سطور لامعة من غياهب أفكاره، واستغرق زمنًا طويلًا ليوازن بين إيقاع الخيال وصلابة الواقع، لكن واقعه رفض مخالفة القدر، احتضرت الكلمات، تساقطت الأبيات مع رحيل القوافي.

لم يتملكه اليأس، أعاد المحاولة مرات عديدة، غرد وحيدًا بلا جمهور، فصدى صوته مهجور.

بحث في المكنونات ودرس مخطوطات الحقائق ، وتعلم أن من مات لا يعود الى الحياة، والحقيقة تُدفن مع الموتى.

أراد الاستغراق في اللاشيء والفرار من اللانهائي، والغوص في الفضاء الأبدي.

آوى الى الكهف سنين عددا، دفن كتبه في عمق الخواء، مزق مفكرته الحمقاء، ولأن الرؤية ممنوعة على أهل الكهف تعبد في الظلمة، ربحت العزلة راهبًا تطارده الحياة.

استوطن الفراغ السرمدي في جوف الكهف الدامس، استساغ السكون وأغلق الفوهة بصخرة عظيمة.

هدوء حذِر، تؤرقه أفكار تتسلل من حين الى أخرعبر الشقوق بعضها يتلمس بريق عينيه في الظلام، والمُعظم يضِلُ في العتمة الكئيبة.

تمنى لو جلب عود كبريت لكنه ترك العلبة مع مذياعه وقلمه وورقه في خزينة النسيان، لكن اشعال عود كبريت قد يجلب له الويل ويشق طريقًا لأفكاره المرابطة حول جداريات الكهف الخامد.

الضوء اغراء لا يتحمله الباطن العتيق الذي قبع قرونًا في العزلة واللافكر، يكفيه ما لقى من تآكل جدرانه.

وأثناء صمت طويل، التقطت أذناه أصوات بعيدة متداخلة لقد تزوج الملك، لقد أنجب ابناً، لقد مات الملك، لكن بقى الابن حيًا.

ضحكات أنثوية تقهقه تثير مضاجع سكونه، يتحسس قلبه الهائج يريد الهروب، أقنعه بالورع لكنه لم يقتنع.

لم يتذكر وسط الضباب متى أخر مرة لمس فيها امرأة، تتداخل الأوهام مع الذكريات، ويمتزج الحاضر بالماضي فلا يستشف للمستقبل البعيد أملًا.

أخد يغزل بيديه جسد امراءة، يُصقل شفتيها، يكور نهديها، يحتضن نعيم أنوثتها الفاتنة، لا يحتاج الى ضوء فهو يعرف أين تسكن أعضائه، ربما الشيء الوحيد الذي لا يخطئُه أبدًا.

هرب المسكين من الأفكار فسقط في الغفلة، استهان بالموت فعاش مِيتة أخرى.

لكي يتحرر، عليه أن يتجرد، لكنه ينفُر من الزهد كلما آوى اليه، ربما أحب الأحوال والمقامات، لكن نفسه تتوق الى الشهوة أكثر، هجر نشوة الاطلاع خوفا من رذيلة الأفكار، فاحتضن خيال الخطيئة.

يشتاق أن يعود فالأفكار كانت أقل وطأة من انقطاع الوقت، لكن قبل اتخاذ القرار الجريء عليه اتقان فن اللامبالاة، عليه الوصول الى حد البراعة ليتمكن من الهرب والمراوغة حتى لا يندفع الى دهاليز التيه من جديد، وليتعلم ترويض عاطفته ليطفىء لهيب الفكرة قبل أن تشتعل.

فليغمض عينيه عن الانسان، وليلقي هذا العبء في جوف الكهف قبل أن ينطلق، لا محاورات أفلاطونية، لا نظريات أفلوطينية، ولا وألف لا لسفسطة سقراط النبيلة.

بحث عن ثيابه القديمة تحت جنح الظلام، فوجدها أثمالاً بالية لكن لا مفر من ستر عورته.

لا بأس، سيذهب الى السوق ليشترى معطفًا أنيقًا، عطرًا ملكيًا وحذاء بلمعة فضية، تعويضًاعن ثبور الظُلمة.

سيدخر ما كان ينفق لن يشتري كتابًا لن يحظى بقلم لن يحتفظ بلفافة ورق في مستقره الجديد، هكذا عاهد بدون أن يُدون عهده.

حملق في المرايا فلم يتبين ملامح الغسق، هنا داهن العقل الوقت وراوغ الواقع، فداهمت الشهوة النفس وأغوت الانسان.

لماذا يهتم بابن آدم ؟ ولماذا ينظم قصيدة في الخطيئة الأزلية ؟

جرت عليه مقادير التعاسة، لم يختار الوجود لكنه رفض الفناء، كان أُمياً فلما تعلم الأبجدية ظل جاهلًا، حمل العهد القديم دون أن يقرأه، مارس طقوسه الشامانية وآبى أن يقدم قلبه قربانًا، مازال عقله حائرًا بين القربان والضحية وفضل العبثية على العبودية، لا مكان لمخلوقات الطين في المدينة الفاضلة.

وفي غمرة التسائل، تذكر العهد الذي لم يُدون، التفكير مثير مستهلك للطاقات، يقود الى حلم يستجير، فاذا غرق العقل لن تلتقطه أسرار اليوسيس.

لا مجال لقدوم المعجزات، فقد خاصم الأرض الوحي، وانقضى عصر النبوة، ولم يبقى سوى أحلام وخيال الأدباء، ووجدان وأغوار الشعراء، لكن الشعراء ليسوا أنبياء، حتى لو اختاروا البقاء، ولن يرتقي الأدباء يومًا الى مكانة الرسل.

تفقد حالَه سريعًا تتسرب الأسئلة بغزارة لابد أن يكبح جماع عقله، لديه مشكلة عميقة مع لماذا ؟ فهي تجلب الأرق تُغضِب الجمهور تجالس الحكماء وتخدع الفلاسفة يريد أن يمحوها من معجمه الوجيز فهي تستعصي على عقله المحدود وفهمه البطيء.

لا عودة الى الاستغلاق، مشى في الأسواق، تخفى وسط الزحام، أراد أن يكون مثلهم لا يهتم سوى لذاته، زار الحوانيت اشتري أشياء بلا ثمن، حضر الصفوف الأولى في الملاهي، انساق مع سحر الأنوثة، رقص كالدروايش، وسكر بنبيذ الأمراء.

أغمض عينيه، صم أذنيه، فلا أمل في الشكاية ولا جدوى في الهروب.

فرغ كأسه الا من قليل لمعت على سطحه صورة امراءة تبكي وليدها العليل، استعاذ من الرجيم، فرأى شحاذاً على باب المعبد يشكو جوع أضناه ليل طويل تحسس النقود في جيبه لكن الشحاذ اختفى.

أراد خداع الوعي فسخر منه الوهم، ولا فرق بين أوهام الكهف وأوهام الملهى الليلي.

أثناء الآرق العميق خطرت له فكرة لامعة، الصحراء الجرداء تخلو من الأحياء صامتة كصمت الكهف فسيحة كساحة المرقص، فهناك يمكن أن يعتزل ويغني، يتعبد ويرقص، ويطلق عنان أفكاره الى اللامحدود حيث القيظ والظمأ، والبرودة والصقيع، سيصطحب معه كتبه وأوراقه وقلمه، ربما يروض السراب البعيد المخطوط في الكتب أفكاره اللعينة .


قد يعجبك أيضاً

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.