ظاهرة الطلاق في مجتمعاتنا العربية، وأسبابها، وسلبياتها، وإيجابياتها، وطرق العلاج

الأسرة أساس استقرار المجتمع ولبنة بنائه:

ظاهرة الطلاق

اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بشؤون الأسرة، ورعاية وتربية الأبناء، وقدم لهم كافة صور الرعاية اللازمة لهم، بما يحقق الأمن والاستقرار والسعادة للفرد والأسرة والمجتمع، واهتم بتنظيم العلاقات بين أفراد الأسرة، والتي من بينها: الزواج، والطلاق، وتربية الأولاد، وصلة الأرحام، فالإسلام ينظر للأسرة باعتبارها الهيكل الأساسي لبناء المجتمع، وعندما يكون هذا الكيان مضطرباً يكون المجتمع متفككاً وغير مستقر.

أهمية الزواج في الإسلام:

الزواج هو عقد شرعي بين الرجل والمرأة على وجه الاستدامة، وغايته السكن والإحصان، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم:21]، ويترتب على الزواج الصحيح حقوق مشتركة بين الزوجين، وحقوق خاصة بكل منهما تجاه الآخر، ويستمر الزواج بالتزام كل طرف بما عليه من واجبات، وحصوله على ماله من حقوق، وبالمعاشرة الحسنة وتبادل الاحترام والرحمة والمودة والمحافظة على الأسرة والأولاد.

والزواج مباح في الشريعة الإسلامية، وأغلب الأحكام الشرعية التي تتصف الإباحة، تدور على الأحكام التكليفية الخمسة بحسب الحاجة، وأعني هنا بالأحكام التكليفية الخمسة: (الوجوب-الاستحباب-الإباحة-الكراهة-التحريم)، وهذا بحسب حال كل إنسان، فالقادر على تحمل أعباء وتكاليف الزواج ويخشى على نفسه من الزنا مثلاً يجب عليه الزواج، والذي لا يملك القدرة والتكاليف وليس لديه رغبة ملحة في الزواج مباح في حقه، والذي لديه أربع زوجات محرم في حقه حتى يطلق إحداهن، وهكذا، بحسب حال كل إنسان.

والزواج ميثاق غليظ، لأنه سبب التكاثر والانتشار، والأسرة هي عماد المجتمع، ويجب على المسلم والمسلمة التحقق من شريك الحياة، ونصفه الآخر، الذي سوف يمضي بقية حياته معه.

حكم الطلاق في الإسلام:

الطلاق هو حل لرباط الزواج المقدس، وهو جائز بنص الكتاب العزيز كما قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [سورة النساء:130]، وقد شرعه الله عز وجل ليكون حلاً لعلاقات تأزمت، وقلوب جفت فيها ينابيع المودة والحب والرحمة والاستقرار والسكينة بين الزوجين، لأن البيت الذي يفتقدها لا بد أن يُغلق، والطلاق متواتر بالسنة المطهرة، وبإجماع المسلمين، وهو أمر قطعي من قطعيات الشريعة، أباحه الله عز وجل مع الكراهة عند الحاجة إليه؛ ليجعل هناك مخرجاً للذين استحالت بينهم الحياة الزوجية، والطلاق عملية صعبة تؤثر على النفس وتجعل الزوج والزوجة وأهل الزوج وأهل الزوجة في حزن وكدر، والطلاق يمتد أثره إلى الأبناء، وعدم تنظيم هذا الأمر يؤدي إلى خلل بالغ يصيب المجتمعات بالاضطراب.

وإذا انتهى عقد الزواج بإرادة الزوج فإنه يسمى طلاقاً، وإذا وقع بتراضي الزوجين فإنه يسمى خلعاً، وإذ وقع بحكم القضاء فإنه يسمى فسخاً، ويقع الطلاق، باللفظ الصريح أو الكتابة، وعند العجز عنهما، فبالإشارة المفهومة، أو بالكناية إذا نوى الزوج إيقاع الطلاق، وأما الخلع فيقع بتراضي الزوجين بلفظ الخلع، أو ما في معناه، على بدل تبذله الزوجة للزوج في مقابل حصولها على الطلاق منه.

ولعل أبرز أسباب الطلاق يرجع لعدم التزام كل طرف بما عليه من واجبات، وتدخل الأهل في المشاكل الزوجية، والغيرة الزائدة التي تدخل الشك بين الزوجين، والخيانة الزوجية، والتعدي بالضرب على الزوجة، والعقم عند أحد الزوجين، وإهمال أحدهما للآخر، وفارق العمر الكبير، وعدم التكافؤ والتوافق من الناحية العلمية أو الاقتصادية أو الدينية أو الاجتماعية أو العائلية، والعناد للرأي والغضب، والرتابة والملل من روتين الحياة الزوجية، وغياب الشعور بالأمان بين الزوجين، وانعدام الثقة والاحترام بين الزوجين، بالإضافة للمشكلات المالية، ونقص التواصل العاطفي، والإدمان، وغيره من الأسباب الأخرى الكثيرة.

والباحث في الإحصائيات المتعلقة بالطلاق في الوطن العربي سوف يشهد صدمة كبيرة في زيادات معدل الطلاق، حتى إن هذه الإحصائيات تعدد عدد حالات الطلاق كل ثانية، وكل دقيقة، وكل ساعة، فضلاً عن عدد حالات الطلاق المفزعة كل عام، والتي تعمدت عدم ذكرها والاكتفاء بالإشارة إليها، والتنبيه إلى أن ارتفاع معدلات الطلاق بهذا الشكل الجنوني المخيف يجب أن يدق ناقوس الخطر في مجتمعاتنا العربية المحافظة؛ للبحث عن حلول عاجلة لتدارك تلك الظاهرة الخطيرة قبل تفاقمها بشكل يهدد أمن واستقرار المجتمعات.

هل للطلاق إيجابيات؟

وبالرغم من كل سلبيات الطلاق، إلا أنه في بعض الحالات القليلة والنادرة يكون له بعض الإيجابيات، منها مثلاً: منح كلٍّ من الزوجين بداية حياةٍ جديدةٍ مع إنسانٍ جديدٍ؛ ففي بعض حالات الزواج يتعرّض أحد الطرفين إلى الكثير من الدمار النفسي أو الجسدي وفي الغالب تكون المرأة هي ذلك الطرف المتضرر، وعندما يتم الطلاق يستطيع كلاهما أن يبدأ حياةً جديدةً مستقرةً بعيداً عن المشاكل والهموم، وهذا يؤدي إلى زيادة الإنتاجية في المجتمع، بالإضافة لحصول الأطفال في بعض الحالات على فرصةٍ جديدةٍ للعيش بطريقةٍ صحيّةٍ، فغالباً عندما يكون الزوجان غير متفقين وتغلب عليهما الكراهية فإن المشاكل فيما بينهما تكون كبيرةً وتؤثر على سير حياة الأبناء وتسبب لهم الأذى النفسي وكره الحياة وعدم القدرة على التركيز والاستقرار، بل قد تسبّب لهم الانحراف عن الطريق السليم واتباعهم للعصابات والأشخاص الذين يسلكون الطريق الخاطئ، كما أنها قد توفّر للأبناء دوافع عكسيّة تدفعه للهرب من المنزل ليبتعد عن جو المشاكل بين والديه، والطلاق يعطى صاحبته فرصة وخبرة في اختيار شريك حياة آخر يقدرها ويحترمها، والطلاق يمثل البعد عن الفضائح في حالة وجود مشكلة خاصة بين الزوجين ولضمان عدم إفشاء السر وكثرة الشكوى، لذلك عندما يقع الطلاق بالتراضي وفي صمت فإنه يحمى الطرفين من القيل والقال والمشاحنات.

فالطلاق والانفصال أفضل للزوجة من البقاء مع زوج مريض نفسياً أو لديه مشاكل نفسية عويصة أو زوج تسيطر عليه لغة الشك، والطلاق أفضل للزوجة من الاستمرار مع زوج لا يعرف إلا الضرب والركل، والطلاق أفضل للزوجة من البقاء مع زوج لا يخرج من لسانه إلا كلمات الإهانة والسب والشتم والذل ولغة التهديد والوعيد، والطلاق أفضل للزوجة من العيش مع زوج بخيل شحيح خروج روحه أهون عليه من خروج نقوده، ويحرمها من أبسط احتياجاتها الأساسية.

الطلاق أفضل من البقاء مع زوج استبدادي متحجر لا يعرف لغة الحوار والتفاهم، والطلاق أفضل من البقاء في عصمة زوج في عمر الوالد أو الجد، الفارق العمري بينهما أكثر من ربع قرن من الزمان.

آداب الطلاق:

والطلاق كسائر الأحكام الشرعية، له أداب علمها إيانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: التسريح بالإحسان وعدم الإضرار بأحد الطرفين وخاصةً المرأة، فلا يحق للرجل التشهير بالزوجة أو محاولة حرمانها من حقوقها، وإذا كان للمرأة ولدٌ فإن حق الرعاية والحضانة والرضاعة لها، وعلى الزوج التكلّف بهذه الأمور، ويجب على المجتمع أن يحسن الظنّ بالمرأة المطلقة والرجل المطلق، فالطلاق في بعض الحالات يكون نتيجة عدم توافق الطرفين من دون وجود أي سلبيات.

أبرز سلبيات الطلاق:

ولعل أهم النتائج السلبية للطلاق، هي: تفكك الأسرة، وضياع الأبناء، والعداوة بين العائلات، وأن المرأة المُطلقة تدخل في حالة نفسية قد تتطوّر لتصل إلى حد الاكتئاب الشديد، وعدم القُدرة على مواجهة المجتمع مرة أخرى،  وأظهرت الدراسات الحديثة أنّ المرأة لها نصيب الأسد من الآثار السلبية الناتجة عن الطلاق، حيث تظهر عليها بعد الطلاق علامات من سوء الصحة العامة وارتفاع نسب التوتر والقلق أكثر من شريكها الرجل، والأمر يعود لعدد من الأسباب من أهمها المشاكل المالية التي تتعرض لها غالباً بعد الطلاق، ففي حال كانت المرأة المطلقة غير عاملة ستضطر أن تخرج للبحث عن وظيفة وخاصةً إن كان الأولاد في وصايتها، والوظائف عادةً ما تعطي للرجال، وإذا ما حصلت على وظيفة فالرواتب التي تعطى للمرأة غالباً ما تكون أقل من الرواتب التي تعطى للرجل الذي يعمل في نفس الوظيفة، مما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة للمرأة، ولأنّ مسؤوليتها تجاه أولادها أكبر من مسؤوليات الرجل فلن تتمكن من العمل لساعات إضافية كما يفعل الرجل.

ومن أهم نتائج الطلاق على المرأة كذلك النتائج العاطفية، فالرجال يتزوجون مجدداً أسرع من المرأة بعد الطلاق، كما تزداد احتمالية بنائهم علاقات عاطفية أخرى أثناء فترة الانفصال عن زوجاتهم، في الوقت الذي تكون فيه المرأة لا زالت في حالة من الضياع العاطفي.

كما أن الأبحاث الحديثة أثبتت حدوث اختلاف واضح في وزن المرأة بعد الطلاق، وأنها تصبح أكثر عرضة للإصابة بمتلازمة عمليات الأيض، والقلق والاكتئاب، والأرق، والطامة الكبرى تكمن في النظرة الدونية للمطلقة من قبل المجتمع، الذي يربط غالباً بين الطلاق وسوء الأخلاق، ولا ارتباط منطقي بينهما.

الحلول المقترحة لعلاج ظاهرة الطلاق:

الحلول العاجلة تتلخص في تقديم دورات تدريبية للمقبلين على الزواج، عن أهمية التواصل الجيّد مع شريك الحياة، وكيفية الحفاظ على مبادئ الزواج وأساسياته، وبث روح التسامح والمغفرة والاحترام المُتبادل بين الزوجين، والتأكيد على عدم تدخل الأهل في المشاكل الزوجية حتى لا تتفاقم الأمور، ومراعاة إمكانيات الزوج وقدراته، والبحث عن الزوج والزوجة المكافئة.

اترك تعليقاً