رواية خدعة القتيل

اقترب وقت حصاد المحصول بأرض إيهاب الزراعية وفى انتظار بيعه هو وزوجته هيام، جاء اتصالاً هاتفيا إلى إيهاب من شخص يُدعى راضي النادي، أخبره أنه ينوي شراء محصول القطن.
وفي اليوم التالي وصل السيد راضي إلى منزلهم للاتفاق، وكان راضي رجلا طويلا عريض الكتفين يمشي مستنداً على عصا خشبية، ونصف قدمه قدم صناعية خشبية، وأثناء جلوسه قدمت هيام بعض الكعك والشاي الساخن وتركتهم لإكمال الاتفاق واتفقا على السعر، وشعر إيهاب من داخله بالفرحة حيث أن المبلغ الذي اتفق عليه ضعف تكلفة المحصول.
رأى إيهاب جرحاً في يد راضي اليمنى ظاهر ويوجد وشم على شكل ثعبان، وعندما سأله عن ذلك الوشم قام السيد راضي برواية قصته أنه منذ عام حدثت له حادثة بسيارته وهي ما تسببت في ما حدث لقدمه وبقى أثر للجرح بيده وبالرغم من أنه رسم وشم فوق يده ليخفي أثره إلا أن الجرح بارز.
طلب راضي من إيهاب رؤية الأرض الزراعية، فذهبا معاً وشاهد المحصول وبعد ذلك أكد السيد راضي موعد زيارته بعد الغد ومعه نصف المبلغ وأن النصف الأخر مع استلام المحصول ورحل.

رواية خدعة القتيل 1 14/2/2021 - 4:24 م

وفي المساء ذهب إيهاب إلى عمه حسنين وأخبره أنه قام ببيع المحصول بضعف الثمن، فقال عمه:
– كم أنت محظوظٌ يا إيهاب، وأنا مسرور لأنك بعت نصيبك قبلي، فأنت مختلف عن أخيك سليم الذي باع أرضه وعاش في المدينة، أرجو ألا يكون بينكم أي تواصل.
– لا أعرف له طريق، ولكنه قبل كل شيء أخي، فهو لم يُجرم إنما اختار الحياة التي تناسبه، كما أنك من اشتريت أرضه وبسعر أقل.
– يجب عليك أن تراه مثلنا مذنب ومطرود خارج عائلتنا.
شعر إيهاب بالضيق فأنهى الحديث وعاد إلى منزله.

وفي مساء اليوم التالي أخبر إيهاب زوجته أن عليها تحضير وجبة طعام فاخرة من أجل السيد راضي في الغد، قالت له:
– لا تقلق هذا شيء مؤكد و..
ثم سمعا طرق باب منزلهم دقّاً قوياً، اتجه إيهاب مسرعاً نحو الباب وعندما فتح الباب قال أحد سكان القرى:
– النار تأكل محصولك يا إيهاب الآن، هيا نطفئها.
ذهب إيهاب مسرعاً نحو أرضه ووجد أهل القرية يحاولون اطفأها ولكن النار كانت قوية والدخان ملأ القرية، وأثناء ذلك اشتموا رائحة الجاز وكان هذا سببا لانطلاق تلك النيران القوية، وجاءت سيارة الإطفاء وبعد أن تم إخماد النار كان المحصول قد احترق بأكمله، وجاءت الشرطة للتحقيق، وقال المحقق:
– سنتحرى الأمر لنعلم الحريق بفعل فاعل أم خطأ أحد الأشخاص.
فقال إيهاب:
– لقد كان هناك رائحة جاز، إذن هي بفعل فاعل.
ثم وجدوا شيئاً على الأرض المحترقة أفزع الجميع، كانت جثة محترقة وكانت لشخصٍ نص قدمه مكسورة وعلى الفور قال إيهاب:
– إنه راضي النادي وقد جاء بالأمس واتفق معي على شراء المحصول، واتفقنا أنه سيأتي إلي في الغد.
وبعد التحقيق والتحري لم تستطع الشرطة الوصول لحقيقة راضي النادي، ولم يتم التبليغ عن شخص مفقود، وأُغلقت القضية وتبقى سؤالاً، مَن أحرق المحصول ولماذا عاد الزائر ؟؟

حزن إيهاب على ما حدث لأرضه كما أنه كان بحاجة لذلك المال ولا يعلم كيف سيزرع من جديد ويصلح أرضه، وكان جالساً بغرفته فدخلت هيام الغرفة وقالت له:
– لن يفيد الحزن على ما فات ويجب التفكير في ماذا ستفعل؟
– سأطلب مبلغاً من عمي حتى يتيسر الحال.
– أتمنى أن يوافق عمك على ذلك.

وفي صباح اليوم التالي ذهب إيهاب إلى عمه متوسماً خيراً، وعندما رآه عمه قرأ ما يدور برأسه وقال:
– أنا الآن أمر بمشكلة مالية يا إيهاب فلم أتفق على بيع المحصول بعد، ولو كان معي أموالاً زائدة كنت سأعطيها لك.
تنهد إيهاب ثم قال:
– وما العمل الآن يا عمي؟
– الحل الذي أمامك أن تبيع لي أرضك وترحل مثل أخيك، وإن اتفقنا على سعر مناسب سأحاول أن أتصرف فيه، كما أنك يجب أن تأخذ في الحسبان الضرر الذي حل بالأرض.
لم يكون إيهاب مخير فوافق على نصف ثمن الارض، وبعد ذلك سافر إلى المدينة مع زوجته، قام إيهاب بشراء منزل وسيارة أجرة للعمل بالسواقة، فرحت هيام بحياة المدينة التي تمنّت العيش فيها، وقامت بتحضير كعك مُحلى للاحتفال بالمنزل الجديد، وقالت لزوجها الذي بدى غير سعيد بما حدث:
– عليك أن تقبل واقعك لتستطيع العيش فيه سعيدا، وهيا تناول الكعك وأخبرني رأيك.
تناول إيهاب قطعة وكانت ذو مذاقٍ طيب قال لها:
– أنتِ تعلمين كم أحب الطعام الذى تعديه.
– إذن لماذا أرى نظرة الحزن في وجهك؟
– لأني أشعر بالوحدة أنا بعيدا عن أقاربي.
– سأخبرك باقتراحي، عليك أن تبحث عن أخيك فأنا كنت ضد مقاطعتك له وسماعك لأوامر عمك.
– لا أنا لم أقاطعه، هو من رحل ولم يترك لي أي مرسال كما أن عمى منع عودته.
– أتعلم أن عمك هو المستفيد من احتراق أرضك، كما أنه أخد أرض أخيك بنصف الثمن أيضا.
– هل تقصدين شيئاً؟
– لا، لا شيء ولكني أفكر، فإن أرضك احترقت بفعل فاعل ولم يجرؤ أحد من أهل القرية على إحراقها لأنهم أقاربنا وأهلنا، وهذا أدى إلى بيع أرضك، وأيضا أفكر بالزائر لماذا عاد؟ وماذا كان يفعل بأرضك؟ وكيف احترق بالداخل؟ فلا أحد يعرفه فهو جاء من المدينة وأول مرة يزور قريتنا.
– توقفي يا عزيزتي عن هذا الكلام فلن أخفى عليك أني أشعر بشيءٍ غريبٍ في الأمر، ولكني أفضل عدم التفكير.
– كما تحب يا عزيزي.

في البداية لم يتأقلم إيهاب مع حياته الجديدة، وعندما أقنع نفسه أن عليه التعود على تلك الحياة بدأ يتأقلم، كما أن زوجته هيام تأقلمت سريعا، ومرت الأيام وكان عمل إيهاب يسير بشكل جيد وأيضا عمله سيساعده في البحث عن أخيه، فظل يأمل أن يراه مصادفة وكان كل شيء جيد، إلى أن جاء يومٌ غير حياة إيهاب…
أثناء عمل إيهاب أوقفه شابٌ ليوصله إلى مقهى الأمير وجلس بالمقعد الخلفي، فأخبره إيهاب أنه يعرف الطريق تقريبا ولكنه لم يتذكر مكانها تحديدا، فقال الشاب: لا بأس بذلك سأخبرك أين يجب أن تتوقف؛ وأثناء سيره بالسيارة لاحظ إيهاب أن الوقود اقترب من النفاذ، فقال للشاب:
– سأتوقف عند أقرب محطة وقود للحظات.
وعندما توقف عند محطة الوقود، قال الشاب:
– لا بأس فالمقهى بالجوار، كم الأجرة؟
– عشرون جنيها.
فمدّ الشاب يده وهو بالمقعد الخلفي وأعطاه خمسين جنيها، توقفت أنفاس إيهاب وهو يرى الجرح والوشم على يد هذا الشاب واتسعت حدقة عينه، ثم قال الشاب:
– هيا اعطني الباقي.
فأعطاه ثلاثين جنيها، وبعد خطوات انتبه هذا الشاب لتصرفات السائق الغريبة، ونزل من السيارة متجها نحو المقهى ثم قال لنفسه:
– أين رأيت السائق؟ وجهه مألوف.
ثم تغيرت ملامح وجه الشاب وقال:
– نعم أنه المزارع؛ ونظر خلفه نحو السيارة ووقعت عينه بعين إيهاب وكان إيهاب متوترا، وعلم أن الشاب تذكره عندما أدار رأسه ونظر بعينيه.
فهرب إيهاب مسرعا بالسيارة وعاد إلى المنزل يتصبب عرقا ولا يتكلم ودخل إلى غرفته وأغلق الباب، فتعجبت زوجته ودخلت هيام الغرفة لتسأل ماذا حدث؟ وكانت يده ترتعش وزوجته ظلت تسأله ماذا حدث؟! وهو لا يجيب، فقدمت إليه كأسا من العصير وبعد أن هدأ قليلا قال لها:
– الجثة، لقد رأيتها!
– ماذا تعنى؟
– أتذكرين اليد المجروحة.. الوشم المرسوم..
– اهدأ، اهدأ.
– طلب مني شاب أن أقوم بتوصيله لم أنتبه لملامحه، وعندما أعطاني الأجرة وجدت الجرح بالوشم وكانت نفس الملامح بدون شارب فقد تغير شكله قليلا، والغريب أن قدمه لم تكن مكسورة!
– لم أفهم شيء يا إيهاب.
– وأنا كذلك وأنا كذلك لا أفهم، ولكنه علم أني تذكرته.
– يبدو أن هناك جريمة وعليك أن تخبر الشرطة بما حدث.
– لا، فقد لا يصدقونني، كما أني أشعر بالخوف.
– على الأقل هو لن يعرف مكانك وأنت الآن بأمان.
ظل إيهاب بالمنزل يفكر فيما حدث وتوقف عن عمله وبعد تفكير عميق بالموضوع تحدث مع زوجته وقال:
– بعد تفكير طويل بالأمر يا هيام أظن أن من رأيته بذلك الجرح والوشم قام بثني قدمه وتركيب قدم خشبية، وذلك المبلغ الذي عرضه كان ضعف ثمن المحصول فيبدو أنه كان يعلم أنه لن يدفع قرشا واحدا، وقام بقتل الشخص الذي قدمه مكسورة حقا وقام بإحراقه بأرضي الزراعية التي رآها قبل رحيله، وما أراده أننا عندما نرى جثة محترقة سنذكر الشخص الذي جاءنا ويبدو أن اسم راضي النادي مزيف، لذلك لم يتم التوصل لحقيقه الشخص الذي احترق، فكانت عملية محكمة وتم خدعنا، فهو لم يتوقع مقابلتي له مصادفة، والآن قررت أن أخبر الشرطة بما حدث وسأخبرهم بمكان المقهى الذي توجه إليه ربما أحد يعرفه هناك.
– أنت محق يا زوجي يبدو الأمر كذلك فإذا وصلت الشرطة لهذا الشخص سيتم التعرف على الشخص الذي احترق، ويبدو أني ظننت سوءا بعمك، بأنه اشتعل من الغيرة من بيعتنا وقرر حرق المحصول، وهذا لا ينفي أنه اشترى الأرض بنصف ثمنها واستفاد أيضا.
– نعم، علي أن أسرع، نحن لا نعلم بماذا يفكر ذلك الشخص الآن بعد أن شاهدني وفهم أني تذكرته.
وقام بتغيير ملابسه ونزل متجها نحو قسم الشرطة، وأثناء سيره حاول التوقف أمام مشفى بالطريق ولكن الفرامل لم تكن تعمل خدعة القتيل الفصل الثاني....

بقلم: أمنية نبيل


قد يعجبك أيضاً

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.