رواية حارستي الشخصية

في إحدى ليالي الربيع كانت صالة الاحتفالات بأكبر الفنادق بها احتفالاً كبيراً لمرور عشرين عاماً على تأسيس شركة الشناوي، وكانت الدعوة عامة وحضر الحفل جميع الموظفين بالشركة والمصانع.
دخلت فتاة شابة إلى الحفل ولكنّها كانت مُتنكرة ببدلة رجالي وتضّع شارباً مستعاراً وشعراً قصيراً مستعاراً على رأسها، قدم إليها النادل العصير فأمسكت العصير وكادت تسقط على الأرض فاستندت على أحد الحاضرين فسقطا الأثنان معا وانسكب العصير على ملابس الأخر، وكان ذلك الشخص هو سالم ابن الشناوي، حاول النهوض وقال:
– هل جُننت؟ ماذا أفعل الآن؟
حاولت تغير صوتها وقالت:
– نظفه بالمياه، هذا أمر سهل!
– من أنت؟ هل أنت أحد العاملين؟
– وما دخلك أنت باسمي وعملي؛ هيا نظف ملابسك قبل أن يصعب تنظيفها.
ثم لاحظ سالم انفلات الشارب وشك بالأمر وقال:
– فلتأتي معي لتنظف ملابسك أيضا.
وقف الأثنان أمام المرحاض المخصص للرجال ثم ترددت الفتاة بالدخول، فقال سالم:
– ما الأمر؟ ألن تدخل لتنظف ملابسك؟
– لا يهم، إن ملابسي بخير.
فقام سالم بشدها ودخلا مرحاض الرجال، وكان يريد أن ينزع الشارب ليتأكد من أنها فتاة ولكن فجأة دخل شخصٌ أخر إلى المرحاض ووقف هذا الشخص أمام سالم وأخرج مسدساً وقال:
– والآن جاءت لحظة انتقامي، أنت وأبيك تسببتما بخسارة والدي أدهم لشركاته والآن تحتفلون بشركتكم!
– اهدأ كل شيء يُحل بالتفاهم، يا هاني لا تضيع نفسك.
وكانت الفتاة بجوار سالم وأمام هاني، فقامت بركلة طائرة نحو معدة هاني ثم ركلة على عنقه ففقد وعيه، وسقط منها الشارب المستعار، فقال سالم:
– أنتِ فتاة!!
– نعم.
ثم وضعت الشارب وقالت:
– لا تخبر أحد أني فتاة وسأخبرك بالحقيقة لاحقاً، ليس هناك وقت أبلغ الأمن ليأتوا قبل أن يفيق وسأبقى بجواره.
جاء الأمن وأمسك بهاني لتسليمه للشرطة، وجاء الشناوي عند سماعه ما حدث للاطمئنان على ابنه وأخبره سالم بما فعله الشاب وكان يقصد الفتاة المتنكرة، وبعد الاطمئنان عادا الثلاثة إلى الحفل، شكر سالم الفتاة وقال:
– ما اسمك؟
– نورهان.
– لماذا تنكرتِ؟
– في الحقيقة أنا لست موظفة بالشركة، وجئت لأتناول العشاء هنا، وكي لا يتعرف علي الأمن أتنكر مرة فتاة ومرة شاب، فأنا أتعشى حينما لا يكون هناك دعوات للدخول.
– وماذا تعملين؟
– مُدرسة ألعاب رياضية بمدرسة حكومية، والمرتب بالكاد يكفيني ولذلك أحيانا آتي إلى الحفلات.
– شكرا لك، لقد أنقذتني للتو؛ كيف أرد الديّن؟
– هل من الممكن إيصالي إلى منزلي؟
ثم أُغلقت أنوار صالة الاحتفال وتوجهت إضاءة مرتكزة حول المنصة وبدأت الشاشة بتشغيل تسجيل مصور عن الشركة والمصانع والمنتجات، ثم نادت المتحدثة قائلة:
– فليتفضل السيد سالم المدير العام لإلقاء كلمته.
وصعد سالم وألقى كلمته، وبعده والده الشناوي الذي أعلن أنه سيُرشح نفسه مرة أخرى بمجلس الشعب، وبعد ذلك جاءت اللحظة التي انتظرتها نورهان وهي تناول الطعام.
وبعد ذلك تحدثت نورهان إلى سالم قائلة:
– أنت المدير العام، وأظنك لن توصلني للمنزل بعد انتهاء الحفل.
– أنا لم أُخلف وعدي أبداً.
أوصلها سالم بسيارته وأثناء سيرهم كان هناك حجر كبير بمنتصف الطريق، توقفت السيارة وخرج سالم لإزالة ذلك الحجر عن الطريق، فظهر اثنان ملثمان أحدهم وضع السكين أسفل رقبة سالم والأخر صوب مسدسه تجاه نورهان لتخرج من السيارة، وقال أحدهما:
– أَخرِجوا كل ما لديكم.
قامت نورهان بحركة خاطفة لإمساك ذلك المسدس ولفت ذراعه ووجهت المسدس تجاه ممسك السكين، وقالت بصوت حريمي بتلقائية:
– اتركا أسلحتكم وارحلا وإلا ستندمون.
قال الملثم الممسك بسالم للأخر:
– إنها فتاة تخلص منها.
فقامت نورهان بترك ذراع الملثم وأطاحت به بضربة واحدة أسفل عنقه، وعندما رأى الأخر هذا رمى السكين وأخذ الطريق جرياً، وبعد لحظات أفاق الأخر وقام بالجري أيضا، قال سالم إلى نورهان:
– أنتِ بارعة حقا، كم تأخذين مقابل عملك؟
– وما دخلك بهذا؟
– أريد أن تتركي عملك وتعملي معي بمرتب عشرة آلاف جنيه شهريا.
– هذا مبلغ كبير، موافقة بالطبع، من الغد سأكون موظفة ولكن أين سأعمل بشركة أم بمصنع؟
– ستكونين حارستي الشخصية، ولكن بشرط أن تتنكري كما أنت أي تبقين شاباً.
– موافقة هذا عمل بسيط جدا.
– احضري في الصباح بقصر الشناوي في تمام الثامنة صباحاً وسيكون اسمك نور ما رأيك؟
– لا بأس، اتفقنا.
أوصلها سالم إلى منزلها ثم عاد لمنزله.

رواية حارستي الشخصية 1 10/2/2021 - 5:52 م

وفي صباح اليوم التالي بقي سالم منتظر مجيء نورهان حتى التاسعة وقد وصلت أخيراً، فقال لها:
– لمَ كل هذا التأخير؟
– بسبب المواصلات، أعتذر.
– مع من تسكنين؟
– في الحقيقة أنا وحيدة، ولكن أخبرت الناس أن لي أخ لذلك أخرج مرة وأنا فتاة ومرة على أني شاب، فأنت تتفهم تقاليد مجتمعنا.
– هذا أفضل، ما رأيك أن تعيشي معنا بالقصر؟
– أنا لست من هذا النوع!
– أخطأتِ الفهم! انظري هناك بالبناية ذات الطابقين تلك، هي مخصصة للحارس والسائق والمسؤول عن الحديقة وزوجاتهم يعملن بالطبخ والتنظيف ومديرة المنزل أي انها عائلية، وستكون لكِ غرفة مجهزة.
– حسنا، هذا جيد لن أدفع للمواصلات، وسأذهب وأعود معك بسيارتك، سأحضر أغراضي اليوم وأسكن من الغد.
– الآن سنذهب إلى الشركة وبعد ذلك إلى أحد المصانع وبالنهاية سأوصلك إلى منزلك.
– وأين سأكون عند انشغالك؟
– في الشركة ستجلسين بمكتب السكرتارية وبالمصنع ستكونين بجواري.
– حسنا فهمت.
لم يحدث أي شيء مريب بالشركة أو المصنع ولكن بنهاية اليوم حدث شيءٌ من نوعٍ أخر، جاءت فتاة تُدعى ميار إلى المصنع تبدو في بداية العشرينات، متوسطة القامة، رشيقة، بشرتها بيضاء، وشعرها مموج مصبوغ باللون البنى المحمر وعيونها سوداء، وكانت ترتدي فستاناً أخضر، وكعب عالي أسود، وتحدثت إلى سالم بدون تكلف وجاءت للاطمئنان عليه بعد أن سمعت ما فعله هاني أمس بالاحتفال، خمنّت نورهان أنها محبوبته من طريقة حديثها، وكان هذا هو كما توقعت، ثم سألت ميار: من هذا الشاب؟ فأجابها سالم: إنه الحارس الشخصي ويُدعى نور وهو الذي أنقذني من قبضة هاني.
وقال سالم إلى نور: سأوصل ميار إلى منزلها لذلك عُد إلى منزلك بمفردك؛ ثم تركه ورحل.
عادت نورهان إلى منزلها وهى غاضبة وتفكر: لماذا لم يذهب مع سالم أثناء توصيله إلى ميار؟ يبدو انهم أحباب ولكن ما دخلي أنا، عليَّ الآن تحضير الحقيبة.

وفي الصباح الباكر ذهبت نورهان إلى القصر ومعها حقيبتها وهي متنكرة، وكان سالم بانتظارها وقال:
– تفضلي معي لتري غرفتك يا نورهان، تبدو الحقيبة ثقيلة اتركيها لي.
– لا يصح هذا، فأنا موظفتك.
قام سالم بأخذ الحقيبة بقوة ثم قال:
– كيف استطعتِ حملها، إنها ثقيلة جدا.
– أنسيت أني مُدربة ألعاب رياضية ومعتادة على حمل الأثقال؟
– لا يبدو عليكِ القوة، تبدين نحيلة.
وبعد أن وصلا قال:
– هذه غرفتك وعليكِ الحذر كي لا يكتشف أحد أنكِ فتاة، كما أن علي التحدث معكِ كأنك شاب أمام الجميع.
وبعد أن وضع الحقيبة بالغرفة قال:
– رتبي أشياءك على راحتك فاليوم إجازة لأني لن أخرج اليوم، وتفضلي هذه الساعة لا تنزعيها أبدا.
– حسنا شكراً لك؛ ووضعت الساعة بمعصمها، ثم قالت: ولكن هناك سؤال؟
– أعلم ما هو سؤالك، بخصوص الطعام هناك مواعيد بالقصر، الساعة الثامنة صباحاً الفطور والواحدة الغداء والسابعة مساءاً العشاء، وبما أنكِ موظفة فمن الطبيعي أن تتناولين الطعام بالمطبخ.
– حسنا فهمت، ولكن سؤالي هو لمَ عليا التنكر بهيئة رجل؟
– بكل صراحة لأن ميار خطيبتي تغار علي بشدة ولن تتحمل رؤيتك بجواري طوال الوقت، لم تتم الخطبة بعد، سيكون هذا بعد فوز والدي بالانتخابات.
ابتسمت ثم قالت:
– شكرا لك؛ وبعد ذلك تركها سالم.
وقالت نورهان في نفسها: أتمنى أن يخسر والدك بالانتخابات.

ذهبت نورهان إلى المطبخ عند الساعة الواحدة ظهراً، فقالت لها الطباخة الجديدة:
– إن سالم يتناول غدائه بالحديقة وطلب أن تذهبي إليه وتتناولين الغداء معه لأن هناك أمراً هام.
ذهبت نورهان إلى الحديقة ووجدت سالم منتظرها، وجالس على الأرض جرو صغير، فقالت نورهان:
– ألم تقُل أني سأتناول الغداء بالمطبخ؟
– غيرت رأيي.
– هل هذا الجرو صديقك؟
– نعم إنه صديقي، أنشغل عنه أحياناً ويبدو أنه افتقدني لذلك جاء إليّ.
– لا، يبدو أنه جائع دعني أطعمه أنا.
– لا هو لم يتعرف عليكِ بعد؛ جولي تفضل.
ووضع سالم قطعة من اللحم، أخذ الجرو قطعة اللحم ثم قُطعت أنفاسه فجأة، تفقده سالم وكان قد فات الأوان والجرو مات، نظر سالم ونورهان إلى بعضهما البعض وفهما أن الطعام مسمم والمقصود هو سالم..

بقلم: أمنية نبيل

حارستي الشخصية (الفصل الثاني)..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.