التعصب الكروي ونظرية المؤامرة

الرياضة غذاء العقل والجسد وصدق القائل (العقل السليم في الجسم السليم)، ومن المعروف أن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى في العالم وخاصة في مصر، ولكن في الفترة الأخيرة زادت حدة التعصب الكروي بين الأندية المتنافسة على البطولات وخاصة الأندية الجماهيرية ذات الشعبة الكبيرة في مصر، سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على هذه الظاهرة وسلبياتها وأسبابها.

التعصب الكروي ونظرية المؤامرة 1 17/10/2020 - 2:28 م
  • التعصب الأعمى:

من حقك أن تشجع الفريق الذي تحبه ولكن ليس من حقك أن تسئ إلى من يشجع الفريق الأخر، ولكن الأسف الشديد زادت حدة التعصب بين الجماهير المشجعة للفريقين (الأهلي- الزمالك) عبر مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا التي أتاحت الفرصة لكثير من المتعصبين نشر المنشورات المسيئة للأخرين دون حسيب أو رقيب عليهم، وانتشرت ظاهرة جديدة في مصر لم تكن موجودة من قبل هي ظاهرة (التحفيل) أتاحت الفرصة لكثير من الحمقى والمتعصبين كروياً الإساءة إلى الغير عبر مواقع التواصل الاجتماعي وكتابة المنشورات والعبارات المسيئة دون مراعاة لشعور الأخرين وجعلت من السهل على أي متعصب صغيراً  كان أم كبيراً أن يكتب ما يشاء وقتما يشاء فهو يجلس خلف شاشة لا يراه أحد وقد لا يعرفه أحد فيلقي بقنبلة في وجه الآخرين عبر مواقع (الفيس بوك و تويتر) تستفز الطرف الآخر فيرد بعبارات أشد سوءاً ويعلق أخر رداً عليه وتبدأ التعليقات من الطرفين كل يدافع عن فريقه ويرد على الأخر ثم تصل إلى حد التراشق بالألفاظ البذيئة من الطرفين والسب والقذف بالآباء والأمهات دون مراعاة لمشاعر المتابعين الآخرين الذي يشمئزون من هذه الكلمات البذيئة التي يتم نشرها على الملأ.

  • ظلم التحكيم:

من العجيب في مصر أن معظم المنتمين للفريقين يرون أن الحكام متحيزين للفريق الآخر وأنهم يتعمدون مجاملة الفريق المنافس من أجل تسهيل طريقه في البطولة ويتصيدون الأخطاء التي استفاد منها منافسهم أو الأخطاء التي ضرت بفريقهم، وعلى الناحية الأخرى تجد المنتمين للفريق المنافس يتهمون الحكام بنفس الاتهامات ويستشهدون بأخطاء أخرى ضرت بفريقهم أو استفاد منها الفريق الآخر سواء كان ذلك في المواجهات المباشرة بينهم أو المواجهات مع الفرق الأخرى في نفس البطولة أو غيرها.

  • أخطاء التحكيم:

أنا لا أنكر وجود أخطاء من الحكام قد يكون بعضها مستفزاً ومثيراً للجدل، وقد يستفزني أنا شخصياً كمشجع لأحد الفريقين، ولكن أرفض بشدة إهانة الحكام واتهامهم بالتعمد والتحيز لأحد الأندية وإهانتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخلف الشاشات في البرامج المتحيزة لكلا الفريقين، فأنا لا أعتقد أن هناك من سيضحي باسمه وسمعته ومصدر دخله ويفتح على نفسه باب من أبواب الجحيم (غضب الجماهير) من أجل أي ناد مهما كان حتى ولو كان ناديه السابق، لماذا لا نصب غضبنا على التحكيم إلا عندما يخسر فريقنا نقطة أو مباراة، لماذا ندافع عن أخطاء التحكيم عندما تكون في صالح فريقنا ونتحجج بأخطاء سابقة لصالح الفريق المنافس أنريد عدلاً وإنصافاً؟ أم نريد فوزاً بأي وسيلة وبأي ثمن، لماذا لا نعترف بسوء أداء فريقنا وفشله في تسجيل الأهداف وتحقيق الفوز دون النظر إلى ضربة جزاء لم تحسب هنا أو احتسبت هناك، لماذا نرى أخطاء التحكيم ولا نرى أخطاء اللاعبين وإهدارهم للفرص السهلة وكذلك أخطاء الجهاز الفني وسوء إدارته للمباراة، لماذا نهاجم التحكيم وحده؟

الإجابة: لأن التحكيم هو الطرف الأضعف في المنظومة الكروية في مصر، لأن التحكيم هو الطرف المكروه، لأن التحكيم ليس له جمهور ولا مشجعين، لأن التحكيم هو الحجة لفشل كل مدرب وسوء أداء كل لاعب وهو الحجة لخسارة الخاسر وهبوط الهابط.

  • خبراء التحكيم:

للأسف الشديد في مصر كلنا أصبحنا خبراء تحكيم وكلنا محللين كرويين وكلنا مدربين وكلنا لاعبين، أصبحنا كلنا خبراء في جميع المجالات وخاصة في مجال كرة القدم، ولكن هل وقفنا مع أنفسنا وقفة جادة ونحينا انتماءاتنا جانباً ونظرنا بقليل من الموضوعية إلى قرارات التحكيم بعين محايدة وخاصة أننا نجلس أمام الشاشات ونشاهد إعادة اللقطات مرات ومرات ومن كل الزوايا وبالتصوير البطيء جداً وقد نختلف عليها أيضاً بل قد يختلف عليها خبراء التحكيم والحكام الدوليين السابقين في الاستديو التحليلي الواحد بعد متابعة اللقطة عبر شاشات كبيرة وبعد تكبير الصورة عدة مرات وبعد مشاهدة اللعبة أكثر من مرة ومن زاويا مختلفة، فكيف لنا أن نلوم الحكم الذي رأى اللعبة مرة واحدة فقط بعينه المجردة دون إعادة أو تكبير أو تدوير للزوايا والكاميرات كل ذلك في جزء من الثانية.

  • تقنية الفيديو (Var):

تقنية الفيديو (Var) هي تقنية جديدة يتم تطبيقها لأول مرة في مصر وبرغم نجاح التجربة في تقليل أخطاء الحكام بنسبة كبيرة إلا أنه مازالت هناك بعض الأخطاء المثيرة للجدل، ولذلك نرجو من اتحاد الكرة ولجنة التحكيم العمل على تفادي هذه الأخطاء وكذلك تقليل الوقت الضائع في استخدام تقنية الفيديو وكذلك تجنب إيقاف المباراة لوقت طويل وبشكل متكرر لأن ذلك يبعث الملل في نفوس الجماهير ويتلاعب بأعصاب الفريقين، كما نرجو وضع ضوابط جديدة لحكام الفيديو بحيث لا يتم استدعاء الحكم إلا عندما يكون هناك اختلاف بين قرار حكم الساحة وقرار حكم الفيديو أما في حالة اتخاذ حكم الساحة القرار السليم فلا داعي لإيقاف المباراة وتعطيل اللعب وتضييع الوقت، فهذه الظاهرة هي أكبر سلبيات (Var) والتي تستفزني أنا شخصياً كمشجع لأحد الفريقين والتي تجعلني أتمنى عدم اللجوء للفيديو حتى لو كان القرار لصالح فريقي هرباً من الملل والتلاعب بالأعصاب.

  • اتحاد الكرة متحيز:

من العجب العجاب في مصر أن جماهير الناديين الكبيرين (الأهلي والزمالك)، يتهمون اتحاد الكرة بالتحيز لصالح الفريق الأخر حتى ولو كان رئيس الاتحاد أو رئيس لجنة المسابقات أو عضو الاتحاد لاعباً سابقاً لناديهم والأسباب والمبررات التي يبنون عليها اتهامهم هذا أعجب وأغرب، فالتعصب الكروي جعلهم لا يرون إلا بعين واحدة فقط، عين ملونة بلون فريقهم مليئة بالتعصب والتحيز والغضب المستمر والإحساس بالظلم في كل شيء وفي كل قرار حتى وإن وقع على الفريق المنافس نفس الظلم من وجهة نظر مشجعيه، فترى المبررات تميل ميلاً واضحاً كل حسب هواه وانتمائه ولون فريقه.

  • الكاف متحيز:

ومن الأعجب والأغرب أيضاً أن يتهم مشجعي كلا الناديين الاتحاد الافريقي (الكاف) بالظلم والتحيز لصالح الفريق الأخر في كل شيء في مواعيد المباريات الأفريقية، وكلا يحسب بطريقته وعلى هواه والمبرر والحجة أن النادي المنافس له شخصيات تنتمي له ذات نفوذ داخل الاتحاد الأفريقي تؤثر في قرارات الاتحاد الأفريقي لصالح فريقه.

  • استغلال الجماهير:

من المظاهر السلبية في مصر استغلال بعض رؤساء الأندية للقنوات والمنابر الإعلامية المنتمية لأنديتهم في مهاجمة الفريق الأخر والاستقواء بالشعبية الكبيرة لكلا الفريقين والتجاذب والتراشق بالألفاظ والعبارات المباشرة وغير المباشرة بين الناديين كل بطريقته وعبر قناته وبأسلوبه فمنهم من يستخدم الألفاظ البذيئة في مهاجمة الأخر ويرمي الاتهامات بلا حسيب ولا رقيب ومنهم من يتبع أسلوب الضغط النفسي والاستفزاز ولكن دون تجاوز أو سب أو قذف، وأنا أرفض كلا الأسلوبين لما فيهما من استفزاز للجماهير، فلو حاسبنا الأول ما تجرأ الثاني، ولكن لما تركناهم كل يرتع ويلعب كيفما يشاء استفززنا مشاعر الجماهير العاشقة لناديها الغاضبة من أجله، وكان يجب على اتحاد الكرة معاقبة المخطئ أولاً بأول دون النظر إلى ناديه ودون تأخير في العقوبة (فمن أمن العقوبة أساء الأدب).

  • الأيام تدور:

(الأيام تدور والزمان لن يقف عند مباراة معينة) هذه الرسالة أوجهها إلى المتعصبين من جماهير الناديين (الأهلي- الزمالك) وإلى كل المتعصبين كروياً في كل مكان، فالزمان يدور بسرعة والعمر يمر والأيام لن تقف عند اليوم الذي كسبت فيه منافسك ولا عند اليوم الذي خسرت فيه منه، فارجع بذهنك قليلاً إلى الوراء وراجع ذكرياتك وقلب فيها وأسال نفسك (كم ربحت وكم خسرت)، واسأل نفسك هل دامت هذه اللحظات وهل توقف الزمان تقديراً لفرحك أو لحزنك، أين أبوك الزملكاوي وجدك الأهلاوي أين من سبقوكم في التشجيع والانتماء والتعصب أدامت لحظات انتصارهم؟ أدامت لحظات انكسارهم؟

كلا والله لم ولن تقف الدنيا عند لحظة بعينها أو مباراة بعينها أو بطولة بعينها، فالزمان لم يتوقف عند موت أشرف خلق الله وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، أيتوقف لأجل فريق يلعب كرة القدم.

  • الغرض من المقال:

نشر الروح الرياضية بين الجماهير العاشقة لكرة القدم ونبذ ظاهرة التعصب الكروي، القضاء على الفتن التي تعصف بقلوب الشباب المنتمي لناديه والعاشق له، رفض استغلال بعض رؤساء الأندية والاداريين والإعلاميين لحماس الشباب وحبهم وانتمائهم لناديهم من أجل خدمة مصالحه الشخصية أو التغطية على فشلهم، نبذ الانقسام بين أبناء الوطن الواحد.

أيها الشباب العاشق المنتمي لناديك شجع فريقك دون سواه، لا تمقت الأخر فهو أخاك أو جارك أو صديقك، فيوماً ما إن شاءت الأقدار ستجده بجوارك يواسيك ويساندك ويدعمك في موقف لم تكن تحسب له حسباناً أو تشغل له بالاً، ويومئذ ستختفي الألوان وتنصهر معاً كما في علم بلادنا يجمع اللونين معاً وأسفلهما لون سواد الأرض التي منها خلقنا وإليها سنعود.

أيها الشباب العاشق المنتمي لناديك رفقاً بأنفسكم فإن الأيام تدور وكم دقت على الرؤوس الطبول، لو دامت الدنيا لمن سبقونا ما وصلت إلينا ولو دامت الدنيا لبشر لكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حياً وباقياً.

وخير ما اختم به مقالي قول الحق سبحانه وتعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.