من قصص الحيوان في القرآن “قصة بني إسرائيل والبقرة”

إن قصص القرآن الكريم مليئة بالمواقف الإنسانية المؤثرة والعبر والمواعظ التي تنير عقولنا وتهذب سلوكنا في الحياة، نذكر منها قصة بني إسرائيل والبقرة وهي القصة التي سميت باسمها أطول سور القرآن كما ذكرت أيضاً في الإنجيل والتوراة، تلك القصة التي يقف عندها المرء وقفة تأمل وتدبر لما تحمله في طياتها من قيم ومعاني عديدة.

من قصص الحيوان في القرآن "قصة بني إسرائيل والبقرة" 3 5/1/2021 - 5:38 م

عندما سَرَدَ لنا القرآن الكريم هذه القصة بدأ بقوله تعالى:بسم الله الرحمن الرحيم (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) صدق الله العظيم، وقد يتساءل القارئ الذي يقرأ هذه الآيات لأول مرة عن سبب هذا الأمر ولكن عندما يسترسل في القراءة يجد أن السبب في ذلك هو أن رجلاً قُتِلَ من بني إسرائيل ولم يعرف قومه من القاتل لهذا أمرهم الله عز وجل أن يذبحوا بقرة ويضربوه بجزء منها فيبعث الله فيه الحياة كي يخبرهم بالقاتل، وهذا يعد من الأساليب البلاغية في القرآن التي تشوق القارئ وتثير فضوله.

أما بالنسبة لقتيل بني إسرائيل فيقال أنه كان رجلاً ثرياً جداً وكان لديه ابن أخ فقير كان يحسده على أمواله فتآمر عليه ليقتله ويرث كل أمواله وبالفعل قتله وألقى بجثته على الطريق وعندما علم بنو إسرائيل بمقتل ذلك الرجل اختصموا فيما بينهم وأخذ كل منهم يتهم الآخر بقتل ذلك الرجل فأشار عليهم أحدهم أن يستشيروا رسول الله موسى عليه السلام، فلما أخبروه بما حدث أوحى إليه الله بأن يأمر قومه بذبح بقرة فتعجب قومه من هذا الأمر الغريب فما علاقة البقرة بذلك القتيل؟ فما كان منهم إلا أن قالوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) أي أتسخر منا؟! وقد كان ذلك أسلوباً غير لائق أبداً من بني إسرائيل لما فيه من الوقاحة في التعامل مع نبي الله عليه السلام فكيف لهم أن يتهموه بالسخرية والمزاح في قضية جدية مثل هذه؟ فاستنكر موسى عليه السلام هذا القول فرد عليهم: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، ولكن بني إسرائيل كعادتهم لم يفعلوا ما أُمِرُوا به دون جدال فأخذوا يسألون موسى عن مواصفات تلك البقرة وسِنِّها ولونها ولم يدركوا أنهم بذلك كانوا يُصَعِّبُون الأمر عليهم، فكلما سألوا عن صفة جديدة صَعُبَ عليهم إيجاد تلك البقرة فقد قال سبحانه وتعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) وكلمة بقرة جاءت هنا نكرة لتفيد العموم والشمول أي اذبحوا أي بقرة فلو فعلوا ذلك ليَسَّرُوا على أنفسهم، ولكنهم شَدَّدُوا وتَعَنَّتُوا على موسى فشدد الله عليهم.

من قصص الحيوان في القرآن "قصة بني إسرائيل والبقرة" 1 5/1/2021 - 5:38 م

وقد كانت مواصفات تلك البقرة أنها لم تكن (فارض) أي هرمة أو كبيرة في السن ولا (بكر) أي صغيرة بل كانت بين ذاك وذاك:(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ)

وكانت صفراء اللون وتسر الناظرين :(قالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) ولم تكن تستخدم في حرث الأرض أو السقاية ولا عيب فيها:(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا).

من قصص الحيوان في القرآن "قصة بني إسرائيل والبقرة" 2 5/1/2021 - 5:38 م

وقد وجدوا هذه الصفات في بقرة كان يملكها رجل بار بوالديه فطلبوا منه أن يبيعها لهم فرفض في البداية ولكنه وافق بعد أن عرضوا عليه شراءها بعشرة أمثال وزنها ذهباً! (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) أي أنهم وبالرغم من ذلك كله كانوا مترددين من ذبح تلك البقرة، ولما ضربوا القتيل بجزء من تلك البقرة أفاق الرجل فسأله موسى عن الشخص الذي قتله فأشار إلى ابن أخيه وقال: لقد قتلني ابن أخي ثم مات بعدها.

هذه القصة فيها إشارة واضحة إلى ضرورة الامتثال لأوامر الله وتنفيذها دون مماطلة أو جدال كما فعل بنو إسرائيل، وقد نهانا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن الإكثار من السؤال والاستفسار على نحو مبالغ فيه حيث قال صلى الله عليه وسلم:

دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ علَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ.

قد يتساءل القارئ لماذا أمر الله بني إسرائيل بذبح البقرة وليس أي حيوان آخر؟ يقال أن السبب في ذلك هو أن بني إسرائيل كانوا يعيشون في مصر في تلك الفترة وكان المصريون القدماء يقدسون البقرة ويعظمون من شأنها فكان يرمز للإله (حتحور) بالبقرة، وقد تأثر بنو إسرائيل بذلك وأصبحوا يقدسونها أيضًا حتى عندما اتخذوا لهم إلها جعلوه على هيئة العجل فأراد الله عز وجل أن ينزع من قلوبهم هذا التعلق الشديد بذلك الحيوان لذلك أمرهم بذبح تلك البقرة أمام أعينهم حتى تزول هيبتها من قلوبهم.