هل يمكن أن يتحول الحب إلى مرض نفسى

هل يمكن أن يتحول الحب إلى مرض نفسى 1 23/12/2018 - 1:43 م

هل يمكن أن يتحول الحب إلى مرض نفسى 2 23/12/2018 - 1:43 م

بعد قصة حب طويلة اختفت من حياته ولكن صورتها تطارده دائماً!

قررت الأم الإنتحار بعد وفاة طفلها ومرت الأيام لتعود إلى سعادتها السابقة !

أريد أن أنسى..

طلب محدد من أكثر الناس.. ولكن في العيادة النفسية يطلب الزائر – ولا أقول المريض – دوء يعطيه القدرة على نسيان هذه المرأة التي تعيش في عقله وقلبه وأحلامه.. ومع ذلك تركته لتتزوج رجلاً أخر !

لقد هجرته.. وقرر هو أن ينساها.. ولكن ماذا يفعل وصورتها أمامه في كل مكان.. وذكريات الساعات الحلوة هى رفيقه في وحدته.. يتذكر أول لقاء.. ويبتسم لذكرى أول تحية.. ويتكدر مع إستعادة حوار أول خلاف.. ثم يكاد يتمزق عندما يجد الحقيقة أمامه فجأة: لقد تركتنى بعد سنوات طويلة من الحب.. لتتزوج رجلاً أخر.. أريد دواء لأنسى.. أريد هذا الدواء فوراً !

أنتهى كلام الزائر الذي يبحث عن النسيان في العيادة النفسية.. وبدأ تفكير الطبيب..

هل هو أمام شخص سليم.. أو أن زائره مريض يحتاج إلى قائمة بالأدوية اللازمة لعلاجه؟ !

الواقع أننا هنا أمام حالة مرض إجتماعى..

والعلاج هنا ليس دواء يبتلعه الإنسان ليشفي ولكن يبدأ العلاج برغبة أكيدة في النسيان.. بعدها نترك للزمن الفرصة ليلعب دوره.

وهنا أذكر دائماً قصة الأم التي يموت طفلها..

لقد كانت تعبده.. تضمه إلى قلبها.. وفجأة أختفي من حياتها.. فتصورت أن الموت أحسن من الحياة بعده.

هذا بعد وفاته مباشرة..

وتمر الأيام.. وتنجب الأم طفلاً أخر.. وتسافر.. وتفرح.. وتسهر.. وتمرح.. وتبدأ صورة الطفل المتوفي في الإختفاء من ذاكراتها إلى أن تكاد تختفي تماماً من عقلها.

هل يمكن أن تصدق نفس هذه الأم أنها ستعيش أياماً سعيدة بعد وفاة طفلها؟!

لقد كان من المستحيل أن تصدق ذلك يوم وفاته.. ولكنها اليوم بعد مرور شهور تعيش لحظات سعيدة قد تقول عنها أنها أحلى أيامها؟!

هل هناك علاقة أقوى من هذه المواقف والأحاسيس التي تربط بين الأم وأبنها؟!

.. طبعاً لا.. ومع ذلك كان الزمن كفيلاً بحدوث النسيان !

وهنا قد يسأل البعض: ما هو التفسير العلمى لحدوث النسيان؟!

تماماً مثل عضلات يديك مثلاً.. فإذا كان هناك تحريك مستمر لعضلات ذراعيك تجد أن هذه العضلات تتضخم.. أما إذا تركت ذراعيك بلا حركة فإن العضلات تضعف.. بل ومع عدم التحريك قد تضمر هذه العضلات !

إذن بماذا يجب أن يُنصح هذا الحبيب المغلوب على أمره؟

سيقول له الطبيب النفسى: أبتعد عن الأماكن التي كنت تلتقى بحبيتك الخائنة فيها.. لا تكرر البرامج التي تعودت أن تنفذها وهى معك.. أفعل اشياء مختلفة.. أغرق في حياة يومية من نوع جديد.. وأعط الفرصة للزمن.. ومن المؤكد أنك ستنسى !

ولكن هناك شرطاً أساسياً حتى يتم تنفيذ هذه الخطة بنجاح: يجب أن أن تكون شخصيتك ناضجة حتى تتمكن من تحقيق هذه الخطة.

ولكن.. ماذا يمكن أن يحدث إذا كانت شخصية هذا الحبيب الحائر غير ناضجة؟

الرد.. هناك يكون دور الطبيب النفسى.

أنه يجب أن يقف إلى جوار الشخصية غير الناضجة.. يساعد الشخص في لحظات الضعف.. يناقش معه مختلف التصرفات لتقرير التصرف المناسب.. ثم يلقى الضوء على بعض المواقف الغامضة.. وهكذا تجد الشخصية غير الناضجة من يساندها حتى تأخذ طريقها الصحيح.. وفي نفس الوقت تتاح لها فرصة النضج المطلوب.. ولكنم في نفس الوقت يجب أن أذكر ملاحظة سريعة حول موقف الإنسان الذي يفشل في حبه..

أنه تحذير هام :

قد يفكر البعض في البحث عن أمرأة أخرى.. يحبها.. يتزوجها.. وهكذا ينسى الأولى التي غدرت به.

إن هذا القرار يكون الخطأ بعينه: لأن مثل هذا الرجل الذي يشعر أنه ضحية أمرأة تركته لن يعرف حقيقة مشاعرة نحو أمرأة أخرى يريد أن تبقى معه.

أنه يختار وهو أعمى..

ومن المؤكد أنه يرى كل الصفات الحسنة في هذه المرأة الثانية لسبب بسيط: أنه يبحث عن القلب الذي ينسيه الصدمة الأولى.. يبحث عن هذه المرأة التي يمكن أن تعطيه الحنان الذي فقده.. وهكذا في عمرة حيرته وشوقه وحزنه نجد أنه يقع أسير غرام أول أمرأة تقابله.. سواء كانت مناسبة. أو غير مناسبة..

وهكذا أحذر مرة أخرى: لا تبحث عن حبيبة في الوقت الذي ما زال جرح التجربة الأولى.. يؤلمك !

قالت الفتاة الجميلة :

لقد بدأت علاقتنا منذ سبعة أعوام.. أنها قصة حب طويلة..

كنت أحدثه في التليفون خلال هذه المدة الطويلة يومياً..

وإذا سافر إلى الإسكندرية كنت أذهب معه في الصباح لألتقى به وأعود مساء نفس اليوم !

لم يكن يمر يوم واحد دون أن أراه.. أو أسمع صوته.. ولكن…

خلال هذه المدة الطويلة التي كنا نلتقى خلالها يومياً كان يقول لى نفس العبارات :

–         لا أعرف معنى الحب

–         لا يجمع بيننا إلا نوع الصداقة !

–         أتمنى من قلبى أن تحب رجلاً أخر

وكنت أضحك عندما أسمع منه هذه العبارات لأنى كنت أحبة.. ولكن ما أن أتركه حتى أبدأ في البكاء.. لأنى لا أتصور الحياة بدون.. وهكذا أظل في عذابى حتى اليوم التإلى عندما أقابله فأفرح.. ونتحدث فأضحك على كلامه.. وأتركه لأتذكر نفس الكلام فأبكى !

والآن يا دكتور.. كيف أنسى هذا القاسى الذي يعذبنى ولا أستطيع أن أتركه ثانية واحدة؟!

أنتهت الفتاة الجميلة من الكلام.. وعرفت أننى أمام حالة واضحة: الفتاة شخصيتها غير سليمة.. إن هذا الشاب لا يحبها.. وواضح من كلامها أنه يريد أن يتخلص منها.. ولكن علاقتها به تكون جزءاً أساسياً من كيانها.. إن هذه العلاقة أدت إلى وجود نوع من الإعتماد النفسى عند الفتاة على هذا الشاب..

وهكذا نجد أن الإنفصال هنا معناه هدم كيان الفتاة.. لأننا ننتزع من تكوين الفتاة جزءاً أساسياً.

وهنا أسمع السؤال :

هل معنى ذلك أنه من المستحيل على هذه الفتاة أن تبتعد عن حبيبها؟

والرد.. من الممكن أن تبتعد هذه الفتاة عن حبيبها ولكن بعد علاج نفسى..

هذا العلاج يعتمد على إعادة تكوين شخصية الفتاة.. بحيث تصبح هذه الشخصية الجديدة غير معتمدة على الشاب.

وعندما ندقق النظر في هذه الشخصية – شخصية الفتاة – نجد أنها تعانى من إضطراب واضح في الشخصية.. ونرى بوضوح ما يسمى بالماسوكية.. وهى اللذة والإستمتاع عند إيلام الذات من الإهانات المستمرة التي تلحق بالنفس.. بل والتعلق بالشخص الأخر الذي يسبب هذا الإيلام.

وقد تصل الحالة إلى الإحساس بالإستمتاع عندما يعتدى إنسان أخر على المريض بالضرب !

وهذه الحالة تختلف في شدتها..

وهذا الإضطراب النفسى يبدأ منذ الطفولة وسببه عادات غير سليمة يكتسبها الفرد من البيئة المحيطة به بحيث يرتبط عنده الفرح بالألم.. واللذة بالعذاب.

وهنا يستطيع الطبيب النفسى أن يقدم التفسير الواضح لطبيعة الحالة.. ويطفئ عند الفتاة عادتها المرضية.. لتصبح شخصيتها بعد ذلك قادرة على الإبتعاد عن هذا الرجل الذي يرفضها.. ويعذبها.. في الوقت الذي تجرى هى وراءه.. وتشعر بالرضى والسعادة من عذابه !

هو رجل متزوج.. وله أولاد.. وبيت تبدو فيه السعادة..

زوجته في صحة جيدة.. أولاده على أبواب الجامعة.. ولكنى أحبه.. أنا الفتاة الناضجة.. العاقلة.. الذي وصل عمرى إلى أكثر من خمسة وعشرين عاماً !

كيف يحدث ذلك؟

لا أدرى.. ولكن الذي أتذكره أنه تابعنى في كل مكان أذهب إليه.. شعرت في أول الأمر بالإطمئنان.. فقد كان لا يطالبنى بشئ.. فقط يريد أ، أبقى بجانبه.

ومن أول لحظة كنت أعرف جيداً أننا لا يمكن أن نتزوج.. بأى حال من الأحوال.

أنه لا يمكن أن يتزوج بعد إن إلى وصل إلى ما بعد الخمسين.. إنى في عمر أبنته.

في بعض الأحيان أسأل نفسى: لماذا تعلقت به.؟

هل لأنه ثرى؟

إنى أنكر ذلك أمام نفسى.. ولكنى أعود وأبحث فيه عن شئ يربطنى به فلا أجد !

ولكن.. الآن.. أجد أن الأيام تمر.. وأجد في صحبته ما يبعدنى عن الزواج.. وعندما يعمل عقلى قليلاً أقول يجب أن أتزوج.. ولكن ما أن أبدأ أى مشروع للإرتباط بشاب لأتزوجه حتى أجد نفسى أمام إعتراضات، والذي يثير هذه الإعتراضات: أنا !

لا تقل لى يا دكتور أتركى هذا الرجل.. لأنى حاولت قبل ذلك.. وفشلت !

أنتهت قصة الفتاة.. لأسمع قصة أخرى من رجل سعيد بحياته مع أمرأتين !

أنه متزوج وسعيد في حياته الزوجية.. ولكنه يعرف فتاة حلوة لطيفة ويمضى معها أوقاتاً سعيدة.. تعيد إليه بهجته بل وتشعره بالرضا من حياته.. بحيث يعود إلى منزله وهو أكثر إشراقاً.. وهكذا يعطى بيته وزوجته وأولاده أوقاتاً طيبة.

أنه يقول ذلك ويشعر بالحسرة لأن الفتاة تريد أن تتركه وتبحث عن زوج ويتعجب هو لماذا تريد أن تتركه !

أنها تقضى معه أوقاتاً تسعدها.. والدليل على ذلك أنها شخصياً تعترف بهذه السعادة !

وهو سعيد بصحبتها..

وزوجته أيضاً لا تعرف سر هذه الإبتسامة التي تحتل وجهه وهو عاد من لقائه مع فتاته.

أنه حزين لأن الفتاة تريد أن تكسر هذه الحلقة المتكاملة من السعادة. نحن هنا أمام حالتين.. نبدأ بمناقشة كل حالة على حدة :

الرجل الأول أنانى.. يستمتع بقضاء أوقات سعيدة مع فتاة وهو يعلم أن لن يرتبط بها.. وقد يدافع عن نفسه ويقول بإقتناع – أو غير إقتناع – أنه يدفع الثمن: هدايا.. وخلافه.

أما الفتاة فهى تعرف جيداً أن علاقتها بهذا الرجل خاسرة.. ومع ذلك فإن العلاقة مستمرة..

وهكذا.. إذا نظرنا بدقة إلى موقف هذه الفتاة نجد أنها تنتحر بلا شعور بمدى خطورة ماذا تفعل.

ولكن.. أليس ذلك دليلا على أنها تعانى من متاعب نفسية تجعلها توافق على إستمرار هذا الوضع الذي يدمرها؟!

هنا تبدأ مهنة الطبيب النفسى.. الذي يجب أن يبحث بعمق في التكوين النفسى لهذه الفتاة ويحاول أن يساعدها على إصلاح هذا الخلل الموجود في نفسيتها.. والذي يجرها إلى علاقة مدمرة برجل عجوز.. لا يمكن أن يعطيها أى شئ يتوازن مع ثروة شبابها.

ننتقل إلى هذا الرجل الثانى.. أنه أيضاً أنانى.. لا يفكر إلا في سعادته مع هذه الفتاة التي ترفه عنه ليعود منشرحاً إلى بيته ويكمل سعادته مع زوجته وأولاده..

أما الفتاة التي تتعلق به فهى الضحية: إنها تلتقى بمن تحب في الظلام بعيداً عن الناس.. ليس من حقها أن تقف بين الناس وتقول: هذا الرجل أحبه.  وذلك لسبب بسيط: إنه يرفض أى إرتباط بها.. إنها مذبوحة على طول الخط..

وهى تحبه.. أنه عظيم أمام عينيها.. ولكنه عند خطوة إعلان الحب يتجمد ويقول: أنا رب أسرة.. أنا رجل مشهور.. ويجب ألا أعرض سمعتى لأى هزة عندما أتزوج مرة أخرى !

مثل هذه الفتاة يجب أن تبتعد فوراً عن هذا الرجل..

قد تظن أن ذلك يعذبها..

أقول لها: تحملى العذاب فترة.. بدلاً من أن تعيشى فيه طول العمر.

قد يؤلمك الفراق ساعة..

هذا أرحم من عذاب الندم حتى نهاية العمر..

هل هناك دواء يمكن أن يساعد هذه الفتاة على النسيان؟

نعم.. هناك دواء واحد.. أن تفهم الموقف كاملاً.. وأن تستعمل عقلها في إتخاذ القرار الحكيم الذي يريحها من عذاب الضياع الذي تعيش فيه بعد أن نام عقلها.. وحركتها عواطفها.