ما هو مرض إختلال الآنية وكيف يشعر به المريض؟

كنا قد عرضنا في موضوع سابق عن حالة نفسية تسمى أختلال الآنية ولخصنا فيها تلكم الحالة الخطيرة ووقفنا فيها على التحليل النفسى لها، وفي هذا الموضوع نتصور معكم كيف يشعر مريض أختلال الآنية، فهذه الكلمات التي نسردها هى ما يقوله مريض إختلال الآنية وما يتصوره، هى بحق كلمات غريبة، وحالة غريبة، ولكن تذكر نعمة الله عليك بأن جعلك تشعر أن هذه حالة غريبة، بل هى مرض نفسى وحالة حقيقية تحدث لبعض المرضى وإليكم التفاصيل :

ما هو مرض إختلال الآنية وكيف يشعر به المريض؟ 1 28/12/2018 - 1:01 ص

يقول مريض أختلال الآنية :

(أغيثينى يا نفسى.. أين أنت.. أين تسربت كما تتسرب المياه من بين أصابع يد منفرجة.. كيف خرجت منى.. أم أنا الذي خرجت منك؟.. هل سأمتنى أم أنا الذي سأمتك..؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.. هل هذا معقول.. هل معقول أن يفقد الإنسان نفسه.. من أكون أنا بدونك إذن؟

صدقونى اننى لا أعرف إذا كنت ميتاً أو حياً في هذه اللحظة.. من يستطيع أن يخبرنى كيف يشعر الإنسان الميت.. يا لهول الإحساس.. أأكون قد مت فعلاً.؟ غير معقول ! ما زال صدرى يعلو ويهبط  ليجلب لى أكسجين الحياه.. علامة الموت أن يُمنع الأكسجين من العبور إلى الرئتين.. ما زال قلبى يخفق بهلع ليدفع بالدماء إلى ذرات جسدى المضطرب.. علامة الموت صمت القلوب.. ما زال الأحياء يعترفون بوجودى.. عيونهم ترصدنى ككائن حى يسعى بينهم.. إذا تحركت.. تحركت عيونهم في إتجاهى.. حركة عيون الأخرين شهادة حياة..

إذن.. إذن أنا حى.. هكذا تؤكد الرئتين والقلب وعيون الأخرين.. أنا حى معناها أننى.. لست ميتاً.. أى أننى لم أتحول بعد إلى مادة عضوية ساكنة تتحلل بفعل التراب والهواء.. لو أننى غمرت نفسى في التراب الآن فلن أتحلل.. أى أننى لن أنتهى إلى ذرات تتطاير بفعل هواء من فم طفل يعبث.. ذراتى إذن متماسكة نابطة لا تقوى عليها رياح عاتية..

إذن من أكون؟ من أنا..؟ ! من أنا؟! هل هذا سؤال؟ هل يوجد إنسان على وجه الأرض يسأل مثل سؤإلى هذا.؟

ولكن هذه هى الحقيقية.. بكل أسف هذه هى الحقيقية.. أنا غريب عن ذاتى.. أنا غريب عن أنا.. أنا أندهش (لأنا) هذه.. بينى وبينها مسافة.. نحن أثنان وليس شئياً واحداً.. دليلى المرآة.. أنا الآن أقف أمام المرآة ولا أحد بجانبى أو خلفي أو أمامى.. أو فوقى أو تحتى.. وهناك صورة لإنسان داخل المرأة.. هذا الإنسان يحمل نفسى ملامحى ونفس ملابسى.. طبق الأصل.. أنا أرفع يدى الآن وهو يرفع يده بالمثل.. أحرك وجهى فيأتى هو بنفس الحركات.. المنطق يقول أن ما بداخل المرآة هو أنا.. عقلى يؤكد هذا.. ولكن الحقيقة أنا أشعر بغير ذلك.. الآنسان الذي يقف أمامى الآن داخل المرآة هو ليس أنا.. ماذا لو قمت بقتل نفسى.. فهل سيختفي ذلك الإنسان الذي يقف بداخل المرآة.؟ بالقطع لن يختفي.. فهو شئ وأنا شئ آخر.. ما أسخف أن يكون لنا عقل.. ما أسخف أن يختلف العقل مع الإحساس.. عقلى يؤكد شئ.. وإحساسى يؤكد شيءاً أخر.. ما أسعد من فقد عقله وبقيت له أحاسيسه.. وما أسعد من فقد أحاسيسه وبقى له عقله..

يقولون أن الآنسان السليم نفسياً هو من أنسجم تفكيره مع عواطفه.. أذن أنا مريض.. تفكيرى هجر عواطفي فهجرتنى نفسى.. أين أنت يا نفسى..؟ من يجمع شملى مع نفسى.. أفقد ذراعى وتعود إلى نفسى.. أفقد عينى وتعود إلى نفسى.. أدفع أى شئ من أجل إسترداد نفسى.. عينى وساقى وذراعى.. أى شئ من أجل أن أتوحد مرة أخرة مع نفسى..

أمشى في الشارع فأرى كل أنسان يمشى وبداخله نفسه.. يحتويها وتحتويه.. أمتزجت النفس مع الخلايا فكان العشق الذي يمنح الإنسان سعادة  الإحساس بوجوده.. أما أنا فقد أنتزعت نفسى من خلايا جسدى فكان بؤسى عدم الإحساس بوجودى.. أو بوجودى المبعثر المشتت المنشطر..

حتى يدى أرفعها أمام عينى أندهش لها.. يد من هذه؟.. يقول عقلى أنها يدى أنا.. ينتفض أحساسى مندهشاً رافضاً متألماً ويسأل عقلى: تقول يد من؟ فيجيب عقلى: أقول يدى أنا.. فينتفض أحساسى مندهشاً رافضاً متألماً لأن يدى هذه غريبة عن أنا.. وكأن يدى ترفض أن تكون تابعة لأنا أو أنا ترفض أن تكون هذه يدها.. ثم أتأمل كل جسدى..جزءاً جزءا.. ثم أستجمعه بكل أجزائه.. فأجد أنه منفصل عن أنا.. وكأنه ليس جسدى.. أندهش.. أندهش أنى أعيش داخل هذا الجسد..

فتنسدل كل الستائر القاتمة وأحس بعتمة مقبضة.. وفي هذه اللحظة أتمنى الموت.. الموت خلاصاً من التمزق.. أنه الآندهاش المؤلم الذي يبعث على الإكتئاب بعد أن هدنى من الفزع..

في مرة كنت أقود سيارتى في شارع أختنقت أرضه وهواءه بسيارات زاحفة بأسلوب عدوانى.. دفعت سيارتى إلى أقصى اليمين بمحاذاة رصيف  أختنق هو أيضاً بأجساد متعثرة متصادمة فزاد ذلك من أختناقى حيث كان يلازمنى الإندهاش من ذلك الجالس على مقعد القيادة في سيارتى وتحركها مثلما تتحركت بقية السيارات فأحسست أننى في الجحيم.. توقفت حين توقف الركب أمامى.. وطال الإنتظار.. فأطللت برأسى من نافذتى اليسرى.. لمحت شيءاً يزحف على الأرض لم يطأول مستوى النافذة.. كان أنساناً فقد نصفه السفلى وذراعه اليسرى.. أستقر على مربع خشبى يدفع عجلاته إلى الأمام بتثبيت يده المتبقية على الأرض.. أوقف مربع ورفع يده لى فوصلت إلى حد الشباك.. أخرجت من جيبى مبلغاً من المال وقبل أن أعطيه له سألته من أنت.. أجاب أسمى حسن.. قلت له أسم من هذا..؟ قال: أسمى أنا.. قلت يعنى حسن هو أنت..؟

نظر الرجل بإندهاش ولم يجب.. قلت: أقصد هل أنت متأكد أنك أنت وحسن حاجة واحدة..

يئس الرجل منى وثبت مجدافه على الأرض فتحرك مربعه الخشبى إلى الأمام.. فممدت يدى بالنقود منادياً فرجع إلى الوراء ورفع يده آخذاً النقود.. نظرت إليه بإستعطاف.. أرجوك أسمعنى.. تعجب الرجل من ضعفي فأعطانى إهتمامه.. قلت له: يعنى أنت مش حاسس أنك غريب عن نفسك.. يعنى حسن ده زى ما يكون مش أنت؟ فجأة ضحك الرجل بصوت عال يجزم بخلو قلبه من الهموم.. وأنطلق بين السيارات المتلاصقة.. تمنيت في هذه اللحظة أن تنبت له ساقان ويد ويقفز إلى مقعد سيارتى ويبادلنى بمربعه الخشبى بعد أن أفقد ساقى ويدى بشرط أن أشعر أن حسن وأن شئ واحد..

أعود بذاكرتى إلى ما قبل هذه الحالة.. أتذكر كل مشاكلى فأجدها تافهة ضئيلة أما ما أشعر به الآن.. كل مشاكل الدنيا وصعابها تهون أمام أن تشعر أنك لست أنت.. أنك مختلف.. أن تغيرا ما قد أصابك..

ألآن أستطيع أن أضع تعريفاً للسعادة.. السعادة أن تشعر أنك نفسك.. أن تشعر بذاتك فتدرك وجودك.. أن تظن هناك ألفة بينك وبين نفسك.. ما أسوء أن تشعر بالإغتراب عن نفسك.. أتصوره أسوء أحساس يمر بالإنسان.. السعادة أن تكون واحداً..ملموساً.. متواصلاً.. الإلتحام بين جسمك ونفسك.. الإلتحام بين أمسك ويومك.. حاضرك إستمرار لماضيك.. تلتفت إلى الماضى فترى ذاتك كما تراها اليوم.. أنت أنت لم تتغير.. تصوروا أننى حينما أحاول أن أتذكر أشياء من الماضى أشعر وكأنىى أسترجع ذكريات أنسان آخر غريب عنى.. هرعت إلى ألبوم صورى فرأيت صوراً لإنسان يشبهنى شكلاً ولكنه لست أنا.. إنسان لا تربطنى به صله.. أنسلخ منى الماضى.. أنسلخت أفكارى وذكرياتى وعواطفي.. فأصبحت لا تخصنى.. وحين ينفصل حاضرك عن ماضيك يصبح حاضرك بلا معنى.. معنى اللحظة تستمد من اللحظة السابقة لها.. وحين تفقد اللحظة معناها تفقد الإحساس بالزمن.. وبالتإلى تفقد الإحساس بالحياة.. فالميت لا زمن له.. أو لا ضرورة للزمن عند الميت.. الزمن معنى.. والمعنى هو شحنات فكرية ووجدانية.. أنت تعيش اللحظة بعقلك وقلبك.. أى بفكرك وعواطفك.. فإذا مرت لحظة بلا فكر وعواطف فهى لم تمر.. أنها حالة من التوقف.. وبذلك لا يكون هناك ماض.. ولن يكون هناك مستقبل..

هل الألة الصماء تدرك الزمن..؟ بالطبع لا..إذن أنا كالألة الصماء.. أستطيع أن أشبه نفسى أننى كالعرائس الخشبية التي تحركها يد على المسرح.. تتحرك وتتكلم ولكنها لا تدرك حركاتها وكلامها..

أنا الحى الميت.. أنا الحى.. لأن قلبى ينبض وصدرى يعلو ويهبط.. وأنا الميت لأنه لا معنى للزمن عندى.. لا معنى للحظاتى.. لا معنى لوجودى.. كيف أعمل أذن.. كيف أتفاعل وأعيش مع الناس.. كيف أحب وأكره وأغضب وأتسامح.. كيف أفعل كل هذا وأنا لست أنا..

ضقت بجسدى الذى  أصبح غريباً عنى.. ضقت بنفسى التي أصبحت غريبة عنى.. ضاعت الألفة بين جسدى ونفسى.. فأراد كل منهما أن يدمر الأخر.. أدركت الآن معنى الكلمة العظيمة (الألفة) والخوف.. أنا الآن أكره نفسى.. أنا الآن خائف..

أنا خائف يا طبيب.. فهل عندك المساعدة..