من يُؤتمن على العرض لا يُسأل عن المال

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة صورة لقائمة منقولات زوجية لإحدى الفتيات تركها والد الفتاة خالية ولم يكتب بها إلا جملة واحدة (من يُؤتمن على العرض لا يُسأل عن المال) وقد أثارت هذه القائمة ضجة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي ما بين مؤيد ومعارض، وأنا من الأشخاص الذين أيدوا موقف الأب ولكن بشروط نذكرها في هذا المقال.

من يؤتمن على العرض

الاختيار الصحيح:

الاختيار الصحيح هو أول خطوة من خطوات الزواج التي ينبغي أن يحرص عليها كلاً من الطرفين الراغبين في الزواج، حيث يجب أن يتم الاختيار على أساس الدين والأخلاق ثم نبحث عن المستوى المادي والاجتماعي المناسب للطرفين وكذلك المستوى التعليمي المناسب لكلاً منهما، كما ينبغي أن يشارك ولي الأمر ابنته في اختيار الشريك المناسب لها وأن يساعدها على الاختيار بحكم سنه وخبرته في الحياة دون فرضه عليها، فقط يوجهها وينصحها كيف تختار الرجل المناسب لها.

معايير الزواج:

اختلفت معايير الزواج في زماننا الحالي بشكل مختلف تماماً عن الفترات السابقة فأصبح المال هو المعيار الأول في اختيار شريك الحياة، في الماضي كان الاختيار يتم بناء على الأخلاق والسمعة الطيبة وكان أهل الفتاة يبحثون عن العريس الذين يعرفونه جيداً ويعرفون أخلاقه وحسبه ونسبه وكذلك العريس كان يبحث عن الفتاة التي يعرفها جيداً ويعرف أهلها، أما الآن فأصبح العامل الأول في اختيار العريس هو وضعه المادي أولاً ثم وضعه الوظيفي وكم يملك من الأموال وكم يملك من السيارات وكم يملك من الأراضي، وكذلك يبحث العريس عن العروسة ذات المال والجمال والمستوى الاجتماعي والمادي والوظيفة قبل الدين والأخلاق.

المهر:

كان فيما مضى يقوم العريس بدفع مهر لوالد العروسة ويقوم والد العروسة بفرش شقة الزوجية، أما الآن فالعريس يقوم بتشطيب شقة الزوجية تشطيب سوبر لوكس ويفرشها بالموبيليا وتقوم العروسة بشراء الأجهزة الكهربائية والسجاد والموكيت، ثم يكتب العريس للعروسة قائمة منقولات بكل شئ.

مشاكل القائمة:

في الفترة الأخيرة تسببت قائمة المنقولات الزوجية في العديد من المشاكل بين الطرفين، فأحيانا يختلف الطرفان بسبب المبلغ المكتوب في القائمة أو بسبب المبالغة في سعر المنقولات المكتوبة والذي يلجأ إليه بعض المتخصصين في كتابة القائمة كنوع من الضمان لحق الزوجة، وقد تفشل الزيجة في بعض الأحيان قبل أن تبدأ بسبب اعتراض العريس على مبلغ القائمة، وإحقاقاً للحق فقد بالغ بعض الناس في كتابة القائمة حتى أن بعضهم يكتب المبلغ الإجمالي لها قبل أن يكتب الأصناف والمنقولات في القائمة وهناك من يشترط على الشاب المتقدم لابنته قائمة بمبلغ معين كحد أدنى أسوة ببنت خالها أو بنت عمها وفي ذلك ظلم كبير للطرفين، فلا ينبغي أن يقارن أحد بأحد لأن لكل إنسان ظروفه كما ينبغي أن تحسب القائمة على أساس السعر الحقيقي والفعلي للمفروشات والمنقولات الموجودة بشقة الزوجية دون مبالغة أو نقصان فذلك أقرب للتقوى.

التيسير على الشباب:

ينبغي علينا كأولياء أمور للشباب من الجنسين (شباب وبنات) أن نيسر سبل الزواج لهم وأن نساعدهم على بدء حياتهم الزوجية بشكل مريح وعدم التحكم والتشرط على أي طرف من الأطراف، كما ينبغي أن لا نبالغ في الطلبات والشروط، ولا ينبغي لنا أن نقارن بيننا وبين غيرنا فما يناسبنا قد لا يناسب غيرنا وما نقدر عليه قد لا يقدر عليه غيرنا، ولكن للأسف الشديد في الفترة الأخيرة شهدنا مبالغة شديدة في شروط الزواج فهناك من يشترط أن لا تقل شبكة ابنته (الذهب) عن مبلغ معين وهناك من يشترط ألا تقل شقة الزوجية عن عدد معين من الغرف وهناك من يشترط أن لا تقل قائمة المنقولات عن مبلغ معين كحد أدنى، وكل ذلك ليس من الدين في شئ بل تجارة وتفاخر بين الناس على حساب الشباب الذي أصبح يواجه العديد من الصعوبات والعراقيل في رحلة البحث عن الزواج والاستقرار.

ارتفاع نسب الطلاق:

على الرغم من المبالغة في قيمة قائمة المنقولات الزوجية والمنافسة الشديدة التي وصلت إلى حد التباري في كتابة الأرقام التي تجاوزت المليون والنصف مليون في بعض القرى والمجتمعات الفقيرة إلا أن نسب الطلاق ارتفعت بشكل غير طبيعي مما يدعونا إلى التساؤل لماذا ارتفعت نسب الطلاق بهذا الشكل رغم كل الاحتياطات التي يتخذها والد الزوجة من أجل حماية حقوق ابنته المادية، ومما يدعو للعجب أن النسبة الأكبر من الطلاق تقع في السنين الأولى للزواج بل في الشهور الأولى وهذا ناقوس خطر يدق المجتمع.

نصيحة للشباب:

أنصح كل شاب مقبل على الزواج أن يتأنى كثيراً في اختيار شريكة حياته وأن يعود إلى منهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك). صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

كما أنصح كل شاب مقبل على الزواج أن يؤسس شقة الزوجية على قدر إمكانياته المادية وأن لا يبالغ في تجهيزها وأن لا يثقل على نفسه ويحمل نفسه فوق طاقتها وأن لا يبدأ حياته مديوناً بمبالغ كبيرة ومديوناً للعديد من التجار والصنايعية وأصحاب المحلات، فأنت لا تدري أيها الشاب ماذا يحدث بعد الزواج فقد لا تستطيع سداد هذه الديون في الوقت المناسب ولا تنسى أن بعد الزواج هناك مسئولية كبيرة ومصاريف للبيت وللحمل وللولادة، فمرتبك الذي كان يكفيك وحدك قد لا يكفي أسرتك بعد الجواز وقد لا يغطي مصاريف الحمل والولادة، وفي هذه الحالة ستضطر أن تنفق على البيت وتترك الديون تتراكم عليك ويطالبك التجار والدائنين ليلاً ونهاراً مما يضعك تحت ضغط عصبي قد يؤثر على حياتك الزوجية.

أيها الشاب المقبل على الزواج أن استطعت أن تجهز أنت شقة الزوجية كاملة دون أن تحتاج أن تساعدك العروسة في تجهيزها ولتجهزها على قدر استطاعتك وأن تهتم بالأساسيات فقط (غرفة النوم والمطبخ) ثم بعد ذلك تكملها إن وسع الله عليك فذلك أفضل لك من أن تبدأ حياتك مديوناً، ولا داعي للدهانات المكلفة والأسقف المعلقة وغير ذلك مما لا نفع له ولا يؤثر على الحياة اليومية للزوجين ولا داعي أيضاً للسفرة والصالون المكلف، ولتقدم لزوجتك مهراً قبل الزواج وفي هذه الحاة لن يكون هناك داعي لكتابة القائمة وذلك أفضل لك وأضمن لحقها.

فساد الضمائر:

من الظواهر التي انتشرت مؤخراً وأصبحنا نسمع عنها قصصاً عجيبة وحكايات غربية، هو فساد الضمائر والذمم وخيانة الأمانة، وهذا الأمر دفع كثير من أولياء الأمور إلى المبالغة في كتابة القائمة بل أن بعضهم لا يكتفي بالقائمة وحدها بل يطلب من الشاب المتقدم لابنته أن يوقع على إيصال أمانة زيادة في تأمين حق ابنته، وهذه الأمور لم تكن تحدث من قبل فكم من آبائنا وأمهاتنا من تزوجوا بغير قائمة وبدون جهاز يذكر مقارنة بهذه الأيام بل أن منهم من بدأ حياته من تحت الصفر ومع ذلك لم يظلم أحدهما الأخر.

وأوجه رسالة لكل من يتهم الرجال وحدهم بفساد الذمة أقول له هناك من النساء من نشزت عن طاعة زوجها وتركت بيتها وأتهمت زوجها بما ليس فيه وهناك من أخذت ذهبها ثم أقسمت أمام القاضي أنها لم تأخذه وهناك من أنكرت عفشها واتهمت زوجها بتبديده من أجل أن تقبض ثمنه مالاً، وهناك من الآباء من خالف ضميره ودينه وكتب قائمة المنقولات بأكثر من ثمنها وهناك من شهد زوراً أن ابنته لم تأخذ ذهبها واتهم زوج ابنته ببيعه وهو يعلم أنه يكذب نكاية وانتقاماً منه ومنهم من أنكر عفش ابنته وشهد زوراً بأنه ليس هو من أجل يحصل لابنته على مالاً حتى لا ياخذ عفشاً مستعملاً لن يساوي قيمته الحقيقة في سوق المستعمل.

الخلاصة:

الدرس المستفاد من هذا المقال والرسالة التي أوجهها لنفسي أولاً ولكل أولياء الأمور هي (اتقوا الله واتبعوا منهج الله ورسوله في الزواج) ولا تبالغوا ولا تأتوا بما لم يأتي به الله ورسوله، ولتتعظوا مما يحدث الآن من ارتفاع في نسب الطلاق وخراب البيوت وفساد الذمم وانتشار الزنا، فلقد تسببنا جميعاً في انتشار الزنا وفي ارتفاع نسب الطلاق وفي كثرة الخلافات الزوحية بسبب تدخلاتنا في حياتهم وفرضنا لشروط لم ينزل الله بها من سلطان.

لما بالغنا في وضع شروط وعراقيل للزواج عزف الشباب عن الزواج ولجأ للعلاقات المحرمة وزادت نسبة العنوسة بين البنات ومنهن من ذلت قدمها في مستنقع الرذيلة والسبب هو أب متعسف أو أم متعنتة، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما استبدلنا حكم من أحكام الله بأحكامنا إلا وجاءت النتيجة بعكس ما نرجو ولما حَكَمنَا عرفنا وتقاليدنا وتخلينا عن منهج الله وجنبنا حدوده إلا وفسدت الأمور وساءت النتائج، والدليل على ذلك أنه لما استبدلنا حد السرقة بالسجن زادت اللصوص ولما استبدلنا حدود الزنا بالسجن انتشر الزنا وانتهكت المحرمات، ولما استبدلنا منهج الله ورسوله في الزواج وحكمنا الأعراف والتقاليد وتحكمت فينا الأهواء واخترنا على أساس التباهي والتفاخر وتبارينا وتنافسنا في المناظر والشكليات فسدت البيوت وتشرد الأبناء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.