قيصر روسيا.. وحرب استرداد النفوذ والمكانة

فى إصرار على لغة القوة، يواصل قيصر روسيا “استراتيجية الاسترداد” للنفوذ وللمكانة عبر شن حرب باردة شاملة على كافة الجبهات فى نفس الوقت من اجل تقويض القوى الغربية الكبرى ونفوذها ..

فى سبيل ميناء “سيباستوبول” كمنفذ بحرى وحيد للأسطول الروسى على البحر الأسود ينتقل من هجمات سيبرانية وحرب استخبارات لا تخمد، إلى حرب مباشرة صريحة ..

باستثناء “سيباستوبول” الذى يؤدى بسفن روسيا إلى أوروبا وتركيا ومن هناك إلى الشرق، لا تملك روسيا التى تتعطل ملاحتها معظم شهور الشتاء الباردة اثناء تجمد مياه البحار، اى ميناء أخر على المياه الدافئة ..

فى لحظة كرم عام ١٩٤٥، أهدى الرئيس السوفيتى من أصل أوكرانى “نيكيتا خورتشوف” شبه جزيرة القرم لأوكرانيا مع الأبقاء على اسطوله فى “سسيباستوبول” ، قبل أن ينهار الأتحاد السوفيتى عام ١٩٩١ لتصبح القرم التى كانت ارضا روسية منذ اجتياح جيوش الأمبراطورة “كاثرين” العظمى المنطقة وضمها لروسيا على حساب مملكة “خانية التتار” ، تابعة لأوكرانيا مع نفوذ روسى ..

أتت لحظة اللعب بالنار فى الفناء الخلفى لروسيا عندما قام الغرب بأغراء اوكرانيا من أجل توقيع اتفاقية تعاون مشترك مع الأتحاد الأوربى عام ٢٠١٢، أجبر حينها “بوتين” الرئيس الأوكرانى الموالى لروسيا “فيكتور يانوكوفيتش” على الغائها لتندلع ثورة شعبية انتهت بانتخاب رئيس أخر موال للغرب ..

لم يتأخر رد الكرملين كثيرا، اجتاحت دباباته أقليم القرم الأوكرانى فى جرأة، وبجنود روس لا يرتدى أى منهم الزى العسكرى الروسى، لم تهداء الأمور نسبيا إلا بعد أجبار اوكرانيا على توقيع اتفاقية “منسك” التى قضت بانهاء حالة الحرب وانفصال القرم مؤقتا ..

على جانب أخر، أزدادت وتيرة محاولات ضم اوكرانيا إلى حزب الناتو خاصة مع مجئ الرئيس الأوكرانى الحالى “فلاديمير زيلينسكى” إلى الحكم واهتمام ادارة الرئيس الأمريكى “بايدن” والغرب باعادة القرم بالأضافة إلى قبول اوكرانيا فى الاتحاد الاوربى ..

انتفض الكرملين فى وجه محاولة وضع صواريخ “الناتو” داخل عمق روسيا الاستراتيجى وعلى بعد دقائق من موسكو، لكن الغرب وأمريكا استمرا فى نفخ كرة اللهب اكثر واكثر ..

أمام ردة فعل روسية غاضبة لم تعيد اوكرانيا حساباتها، لم تستجب إلى طلبين سهلين هما الابقاء على اتفاقية “منسك” وعدم الانضمام إلى حلف “الناتو” ..

لم تنتبه إلى رسالة بوتين فى زيارة الرئيس الفرنسى إلى موسكو من أجل التهدئة عندما أجلس هذا الأخير على طاولة كبيرة جداً فى اشارة ترمز إلى بعد الفجوة بين روسيا ومطالب أوروبا ..

فى خطوة ضمن خطة معدة مسبقا لالتهام الكعكة، اعترف بوتين باقليم “دونباس” الانفصالى الموالى لروسيا، دفع ميليشيات الأقليم نحو مواجهة عسكرية صريحة مع أوكرانيا ..

استمرت أمريكا فى وضع أوكرانيا أمام الدب الروسى، دفعها الغرب بضغط من أمريكا إلى جذب شاربه، لكن بمجرد ارتفاع دوى رصاص الأنفصاليين اكتفى الجميع أمام الجيش الروسى الذى يحتشد على الحدود الروسية الأوكرانية بتزوييد “كييف” بأسلحة لن تشفع أو تنفع أمام غزو روسى بات قريبا ..

بعد التلويح بسلاح العقوبات على روسيا اعلن “بايدن” صراحة استبعاد أى تدخل عسكرى مباشر على الأرض لنجدة كييف ..

وجد الممثل الكوميدى “فلاديمير زيلينيسكى” الذى انتخبه الشعب الأوكرانى رئيسا للبلاد بعد اعلانه قراره فجأة ليلة راس سنة ٢٠١٩ الترشح لرئاسة البلاد، وقبل أربعة أشهر فقط من موعد الانتخابات، نفسه وحيدا دون اى خلفية سياسية او عسكرية لا يملك فى مواجهة اقوى جيش فى العالم بعد امريكا سوى وعود حلفاءه بمساعدته سياسيا وإقتصاديا وعسكريا دون المشاركة في القتال ..

انتقل “زيلينيسكى” فى كوميديا سوداء من تصريحات تمتلئ بالندية والثبات أمام محاولات روسيا احتواء الموقف، إلى محاولة اتصال هاتفى “ببوتين” والكرملين لم تجد ردا سوى هجمات اليكترونية شلت انظمة الجيش الأوكرانى الدفاعية وصواريخ دكت مطاراته ومراكز التحكم والسيطرة ..

وسط تكهنات بحرب عالمية ثالثة على الابواب مع تقدم الجيش الروسى داخل شرق اوكرانيا، تكمن الاجابة على السؤال فى كلمة واحدة، هى الغاز ..

مع شتاء قارص البرودة لم ينتهى بعد، وغاز تمد روسيا احتياجات اوروبا بأربعون فى المائه منه، يمثل ارتفاع اسعار البترول عالميا التحدى الأكبر الذى سيواجه أوروبا اذا استمرت على موقفها ..

على جانب أخر، يدرك الجميع أن أمريكا أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال إلى السوق الأوروبية، تضغط بقوة لأيقاف خط غاز “نوردستريم ٢” الممتد من روسيا إلى المانيا ومنها إلى باقى أوروبا دون المرور عبر الأراضى الأوكرانية ..

حرب أخرى بين غاز روسى رخيص الثمن دون دفع رسوم عبور لأوكرانيا، وغاز أمريكى مسال أكثر تكلفة، تحاول أمريكا حسمها عبر تصعيد الأزمة الأوكرانية ..

وفى الوسط ثمة ضحية واحدة هى الشعب الأوكرانى الذى سيدفع وحده الثمن .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني، وهو غير مطلوب للتعليق لكن يوفر لك وسيلة للتنبيه في حال قيام شخص بالرد على تعليقك.