حلاوة النصر

فى رمضان ١٩٨٨ كان الحديث يدور همسا عن ربع مليون جنيه قيمة أجر “محمود عبد العزيز” عن الجزء الأول فى مسلسل رأفت الهجان ..

كان المبلغ ضخما مقارنة بألفى جنيه لم يحصل عليها “عمار الشريعى” عن موسيقاه الخالدة إلا بعد تهديد ووعيد بعدم دخول مبنى التليفزيون مرة أخرى لولا تدخل من “سامية صادق” رئيسة التليفزيون حينذاك لرفع اجره ..

خسر عن عمد زوج “سامية صادق” مباراة تنس امام صديقه “صالح مرسى” فنجح فى اقناع هذا الأخير بتأجيل كتابة مسلسل الحفار واستبداله برأفت الهجان للحاق برمضان لكنه فشل فى اقناعه بأعادة قيمة عربون الحفار ..

كان “رأفت الهجان” الحقيقى نقطة فارقة فى نصر أكتوبر لكن “محمود عبد العزيز” كان جنديا أخر فى معركة لم تكن تقل اهمية، برهنت شوارع خالية بطول مصر وعرضها اثناء توقيت عرض المسلسل بعد ١٥ عاما من حلاوة نصر اكتوبر على نجاح جهاز المخابرات المصرى فى جولة أخرى منها ..

كانت القائمة قبل مسلسل رأفت الهجان طويلة، بدأت لحظة اخراج ادوات التجسس والتصوير والحبر السرى من شقة احد جواسيس العدو فى مصر الجديدة اثناء القاء القبض عليه ..

كانت دهشة رجال المخابرات عارمة اثناء تحقيقات النيابة عندما اعترف الجاسوس ان كل مصدر معلوماته فقط هو الانصات إلى احاديث الناس العابرة فى كل مكان ..

مجرد ثرثرة شعب تخدم العدو اكثر من طائراته ودباباته ..

كانت الخطة المضادة لأقناع الناس باغلاق افواههم عن طريق شن حملة ضخمة على كل المستويات ساهم فيها رجال الدين والادباء والصحفيين ومؤلفى الأغانى ومسلسلات الاذاعة والتليفزيون ..

سيل من الروايات والكتب ومقالات “انيس منصور” .. “حسين فهمى” .. “عبد السلام داود” .. “صلاح هلال” و “جميل عارف” ..

فى الاذاعة والتليفزيون والبرامج كانت حلقات مسلسل كلاب الحراسة .. عيلة مرزوق افندى .. المصيدة .. عشر مسلسلات فى برنامج صور فى الحياة بالاضافة الى ثلاث مجموعات من الحلقات تحت اسم تذكرة إلى اثينا .. كمين .. صراع حتى النهاية ..

حتى “احمد فراج” مذيع البرامج الدينية المشهور قدم الفكرة نفسها فى برنامجه نور على نور ..

لاح فى الافق نجاح الخطة عندما نشرت جريدة “جيروساليم بوست” فى عددها الصادر بتاريخ ٢٦/ ٤/ ١٩٧٢ تحذيرا من الحملة المكثفة التى تقوم بها مصر فى الاعلام لتوعية الشعب بضرورة كتم الأسرار، لكن شهادة النجاح الأكبر اتت مع حركة قوافل الدبابات والمدفعية ووحدات الرادار الميدانية وعربات نقل الجنود فى قلب القاهرة الكبرى استعدادا للحرب على مرأى ومسمع من الجميع دون ان ينطق الشعب الذى تعلم الدرس جيدا بحرف واحد ..

مع اندلاع الحرب كان من المتوقع فترة إظلام إجبارية وارتفاع معدل استهلاك المصابيح اليدوية، كانت فكرة استيراد هذه المصابيح دون لفت نظر مخابرات العدو معضلة ..

على رأس قائمة باسماء كبار المهربين فى مصر كان اسم “رزق المحلاوى”، اثار غيرة “رزق” الذى ورث المهنة عن ابيه وجده شخصا اخر يدعى “عبد الفتاح” برز فجأة من العدم فى عالم التهريب، كان الأكثر أيلاما لنفس “رزق” هو عدم محاولة “عبد الفتاح” الأتصال به ..

لم يسعى فقط “رزق” للقاء غريمه، تعاونا فى عملية تهريب قطع غيار سيارات نجحت بكل سهولة قبل ان يرفض “عبد الفتاح” فكرة تهريب شحنة خمور سوفيتية ويقنع شريكه باستبدالها بصفقة مصابيح يدوية ..

نجح تهريب الصفقة قبل ان “تكبس” الشرطة على ثلاث مخازن ضخمة وتصادر تلال من المصابيح اليدوية التى تم طرحها قبل حرب أكتوبر بشهر واحد فقط فى المجمعات الأستهلاكية بسعر بسيط فى متناول اليد ..

لأن معركة الوعى وخطة الخداع الاستراتيجى كلاهما وجهان لعملة واحدة، لم تكن دهشة “رزق المحلاوى” عندما اكتشف ان “عبد الفتاح” هو احد رجال المخابرات اقل من دهشة المحيطين باحد ظباط الجيش الذى تم تسريحه من الخدمة واعادته للحياة المدنية وهو امر نادر الحدوث اثناء الحرب ..

تكفلت عاصفة من الزهو بمنصب خال الظابط القوى وصاحب الفضل فى اعادته للحياة المدنية، بمعالجة الأمر ..

كان التفكير فى توفير اماكن علاج للمصابين اذا نشبت الحرب والتى قدر انها ستبلغ مع موجة العبور الأولى خمسون فى المائة، مشكلة، والمشكلة الأكبر ان اخلاء المستشفيات المدنية من المرضى سيثير حالة غضب وشكوى ستطير بالخبر إلى “تل أبيب” بسرعة الصاروخ ..

على رأس قائمة المستشفيات المطلوب اخلاؤها كان مستشفى “الدمرداش” الذى تولى العمل داخله نفس الظابط الذى تم تسريحه من الخدمة ..

تقرير من الظابط السابق بتلوث عنابر المستشفى بميكروب “التيتانوس” كان كافيا لأخذ العينات واجراء الفحوصات التى جاءت كلها ايجابية قبل اخلاء المستشفى من المرضى واعلان عملية تطهير شاملة ..

تكفلت دعوة احد اشهر كتاب ذلك الوقت واكثرهم تأثيرا لتناول فنجان قهوة داخل جهاز المخابرات العامة بكتابته لمقال على صفحات جريدة الأهرام متسائلا عما اذا كان الأهمال يقتصر على هذا المستشفى وحده ام ان هناك مستشفيات أخرى ..

على مدى عدة ايام تناثرت مقالات ذلك الكاتب الشهير حول الامر نفسه وهاجت الدنيا قبل ان تتحرك وزارة الصحة لتسند الى نفس الظابط السابق مهمة التفتيش على باقى المستشفيات ..

كان الاعلان بان قائمة طويلة من المستشفيات مصابة كلها بالتلوث اشبه بفضيحة اثارت سخط الرأى العام ..

بعد ستة أيام من نشر جريدة الأهرام تحقيقا مطولا يتضمن صورة الأسرة الخالية فى المستشفيات وعمليات التطهير التى تجرى على قدم وساق، نشبت حرب أكتوبر بينما قائمة المستشفيات التى اعدتها المخابرات لاستقبال الجرحى خالية امام كتائب الاسعاف المنوطة بنقل المصابين إلى الخطوط الخلفية ..

قدم “محمود عبد العزيز” اعظم ادوار مشواره الفنى فى رأفت الهجان لكن يظل “محسن بيه ممتاز” الذى يخطط ويفكر ويعمل منذ عهد الرئيس “السادات” فى صمت هو اسطورة “صالح مرسى” الحقيقية.


تابع نجوم مصرية على أخبار جوجل
أو لايك من فضلك على فيس بوك
اترك تعليقاً