النثر قبل الإسلام وما هي فنونه

تؤكد المصادر الأدبية التي وصلت إلينا أن النثر قبل الإسلام لم يجد العناية التي وجدها الشعر لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالوزن والقافية التي جعلت الشعر أحفظ من الضياع. ومنها اهتمام العرب بالشعر، واستعمالهم اللغوي لكثير من الألفاظ والعبارات التي تشوقهم إلى مراجعة الشعر وترديده والاستمتاع بروايته، وتضمين الشعر للثقافات القديمة والاسترسال في ذكر القصص والأساطير التي لم تجد مجالها في النثر، ومع أن الاهتمام انصرف إلى الشعر بسبب هذه العوامل فإن النثر قد أخذ طريقه إلى ذاكرة الرواة فحفظوا جانباً قيماً من أمثال العرب وخبطهم ومنافراتهم وأسجاعهم وأخبارهم وأيامهم، وعبر العرب بالنثر عن شعورهم وفكرهم ووجودهم وما تحسسوه من أحوال، واحتاجوا إليه من مواقف، وإن امتداده يصل إلى حقب قديمة تمثلت فنونه في:

النثر قبل الإسلام وما هي فنونه 1 2/3/2019 - 12:04 ص

1-الأمثال.

2-الخطب.

3-الوصايا.

4-الأخبار والحكايات.

الامثال

للعرب في عصر ما قبل الإسلام مجموعة كبيرة من الأقوال التي ذهبت أمثالاً لاقترانها بحادثة مهمة في حياتهم، وتصويرها تجربة معينة ذات مدى يكشف الشئ الكثير عن أخلاق العرب وأحوالهم النفسية والاجتماعية.

وكثيراً ما كان المثل يتمخض عن قصة أو أسطورة لها دلالة كبيرة في نشأة المثل، وقد تكون الأمثال نثراً أو شعراً، الأمر الذي دفع الباحثين إلى جمعها وترتيبها وشرحها وسرد قصصها وأساطيرها، لأنها من مصادر اللغة العربية الفصحى التي يُعْتَد بها في المناقشات النحوية والبلاغية والأدبية، وشواهد تمثلُ مرحلةَ نقاء وصفاءٍ للغةِ العربيةِ، وقد جمع (الميداني) طائفة كبيرة منها في كتابه 《مجمع الأمثال》

تتميز الأمثال من ناحية الصياغة بأنها جمل قصيرة، موجزة، غزيرة في المعنى والدلالة التي تضرب لها والمناسبة التي تقال فيها، والأمثال في إيجازها وموسيقاها تمثل بلاغة العربي قبل الإسلام ومقدار ما وصل إليه من قوة التعبير، ونلاحظ في بعض جوانبها اهتماماً بالتصوير الدقيق لحادثة ؛ لذلك قيل في أمثال ما قبل الإسلام بأنها نهاية البلاغة. 

الخطابة

لعل ما يؤخذ على صورة الخطابة قبل الإسلام هو بعد المسافة بين العصر الذي قيلت فيه وعصور تدوينها. ولكن الحقيقة الثابتة هي أن العصر شهد حضوراً لهذا الفن الأدبي بعد أن تهيأت له أسباب هذا الحضور من تمرسٍ على أساليبها، وحفظ لما ظل حاضراً في أذهان رواتها، وحرية في التعبير عن دواخل النفس ومناظرات يتبارى فيها الخطباء الذين شهدت لهم الآندية الخطابية بالقدرة، وعرفتهم محافل الأسواق بقوة الحجة وقد اتخذوا مجالسهم في مضارب خيامهم ومن أسواقهم التي عرفتها الجزيرة العربية وساحات الأمراء الذين عرفوا وفادتهم ميادين لإظهار براعتهم وتفننهم في القول وقد أسعفتهم ملكاتهم البيانية التي فطروا عليها من ألسُنٍ فصيحةٍ وبديهةٍوحاضرةٍ وقدرةٍ على الارتجال حتى أصبح الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر وهم عليه أقدر وله أقهر وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان ارفع وخطباؤهم للكلام أوجد والكلام عليهم أسهل وهو عليهم أيسر من غير تكلف ولا قصد. لقد شاركت هذه العوامل في ازدهار الخطابة وتنوع فنونها وتناولها أغراضاً مختلفة فاستعملت في تعزيز الثقة بالنفس والاحساس بضرورة الحفاظ على المآثر والمناقب، وتأكيد حق الدفاع عن النفس والأرض وبعث أسباب المجابهة لكل محاولة غادرة أو هجمة ظالمة أو اعتداء أثيم. والدعوة إلى اصلاح ذات البين وفض المنازعات ونبذ الاحقاد وتوحيد الصفوف، والإشادة بكل ما يدعو إلى الحفاظ على مبادئ الكريمة والخصال الحميدة والفضائل الخيرة.

الوصايا

للوصايا في الأدب العربي نَمط خاص تميز بقصر عبارته ونضج فكرته وخلاصة تجربته. وقد شهد النثر العربي هذا الأدب وهو يصدر عن أب يوصي أبناءه أو حكيم يعظ أبناء قومه، أو أُمّ تضع ابنتها على الطريق القويم. وقد تميزت بالإيجاز والبلاغة والتوجيه والدعوة إلى مكارم الأخلاق والتعاون بين الناس والأخذ بالمثل العليا والحض على الالتزام بكل ما يدعو إلى التماسك، وتصدر في أغلب الاحيان عن رجل عرف بحكمته، واشتهر بثاقب بصيرته، وهي تحكم ضوابط التعامل، وتحدد المقاييس التي يراها هؤلاء المجربون صالحة للوفاء بسنة الحياة والاحسان إلى مجموع الناس، والتبصير بعواقب الأمور والتذكير بالعمل الخالد القول الحسن والتعامل الصادق.

ويمكن إيجاز خصائصها بما يأتي :

1-نقاء ألفاظها وقصر عباراتها وتماسك معانيها واستعمال السجع فيها. 

2-وضوح التجربة الحياتية في معانيها وصدورها عن شخص تقدمت به السن أو حضرته الوفاة.

3-نزوعها إلى التوجيه والحث على مكارم الأخلاق وتأكيد صلاح الفرد.

4-التوجيه فيها جماعي للمخاطبين من الأبناء والعشيرة.


الأخبار والحكايات

من الطبيعي أن تشغل الحكايات مجالاً واسعاً من حياة العرب، لأن فيها استذكاراً لأخبارهم واستعادة للعبرة التي حفل بها تاريخهم. وقد حفلت بها مجالس السمر وهي تروي احداثاً يجدون فيها إحياء لقيم كريمة وتمجيداً لمآثر محمودة فتستويهم أحداثها وترهف أسماعهم أخبارها، ويتابعون كل خبر من أخبارها بشوق.

وكان لأخباريون – وهم من ينقلون الأخبار وايام العرب – يزيدون على حكاياتهم من خيالهم ما يجعلها محببة إلى النفوس شائقة للسامعين تتداخل فيها الحكاية المؤثرة والخبر المحبب والقصة المثيرة، أما أخبار الرجال والأيام والحروب وما سجل فيها من بطولات وجاء فيها من انتصارات فكانت لوناً شائعاً من ألوان القصص تبقى أخبارها عالقة في الذهن، وبقيت هذه القصص تروى طوال القرن الأول الهجري حتى تناولها منهم لغاية القرن الثاني للهجرة ورواوته فدونوها تدويناً منظماً، ثم توإلى التأليف في هذا الباب والعناية به.


قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.