الكمامة لا تزال في جيبي

كورونا.. ضيفٌ جديد أم شبحٌ من الماضي؟!

قبل عدة أيامٍ، كنت أجالس والدي – أمد الله في عمره – نتجاذب أطراف الحديث. ولأن كوورنا احتل؛ في هذه الأيام؛ كل ركنٍ من بيوتنا وخيم بظله الأسود على مجالسنا، فقد تطرق والدي إلى ذكر نتـفٍ من الأحداث والأمراض والأوبئة التي عاصرها على مر خمسين سنة أو أكثر والتي تشبه في وقعها وتأثيرها جائحة كورونا.

وكان من جملة ما ذكر، بعض الحكايات والقصص عن الطاعون والكوليرا والملاريا والتيفوس وغير ذلك من الأمراض التي كان مجرد ذكر اسمها في السابق يسبب رعباً وفزعاً للسامعين، حتى أن القصص الروايات بل والأعمال الدرامية التي كانت تــُعرض في ذلك الوقت قد صورت الرعب والهلع الذي يخلع القلوب من صدورها في أقوى وأشد صوره، خاصة مع انتشار الجهل والفقر في تلك الأيام السحيقة.

الكمامة لا تزال في جيبي 1 15/7/2020 - 7:08 م
الكمامة لا تزال في جيبي

فلو أنك شاهدت واحداً من تلك الأفلام القديمة لخيل إليك أن الكوليرا – على سبيل المثال – مثله مثل الوحش الكاسر الذي نلاقيه في الألعاب الإلكترونية، فإما أن يكون هذا اللقاء هو نهاية “اللعبة” (أي حياتك) أو فرصة جديدة للاستمرار في اللعبة إلى أن تلقى وحشاً أخر يوقف تقدمك. ومن يظن أنني أبالغ فليراجع ما كتب في تلك المرحلة من أعمالٍ أدبيةٍ أو درامية، وليستشعر بقلبه مقولة تنتمي إلى تلك الفترة وهي:

“هنادي أكلها الوبا”.

الكمامة سلوك

ثم انخرطت في الحديث الشيق – مجازاً – وبدأت أذكر بعض الأمراض الحديثة التي أسميها “أمراض متعددة الجنسيات” والتي عاصرتها أنا وأقراني من الشباب، مثل: أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وسارس.. وغير ذلك من الأحداث التي ليست منا ببعيدٍ.

ولكن أهم تقطة تطرقنا إليها في مجلسنا هي سلوك البشر في التعامل مع تلك الجوائح قديمها وحديثها. وكيف تطور الوعي المجتمعي بفضل انتشار العلم وتقلص رقعة الجهل وخاصة في الريف والقرى النائية. وهذا أمرٌ واقعٌ تلمسه جميعاً تلك الأيام، وتحديدا في الأشهر الثلاث الأخيرة، حيث تغيرت الكثير من سلوكيات البشر حولنا، بل وتبدلت بمقدار 180 درجة.

ومن أبرز تلك السلوكيات التي اعتدنا رؤيتها: ارتداء الغادي والرائح للكمامة الطبية – أو غير الطبية -. ففي البداية كان هذا السلوك مدفوعاً بوازعٍ شخصيٍ وحرص فطري على تحقيق السلامة والحفاظ على الصحة العامة لنا ولكل من نخالطه في حياتنا اليومية. ثم تحول الأمر من مجرد وازع داخلي إلى عادةٍ وسلوكٍ، بل وأكثر من ذلك فقد شكلت الكمامة جزءاً من “ستايل” اللبس، حتى أن بعض النساء أصبحن يستغرقن وقتاً أطول في ارتداء الملابس قبل الخروج إلى أعمالهن أو غير ذلك بسبب الحيرة في انتقاء لون الكمامة الذي يتناسب ويتماشى مع لون الرداء.

وكما ذكر الكثير من العلماء المتخصصين، فإن كورونا لم يعد ضيفاً بل أصبح مستوطناً يتعايش معنا ونتعايش معه، وبالتالي سيستمر ارتداء الكمامة لفترةٍ من الزمن لا يعلم مداها إلا الله، وعلى الأزواج مراعاة فروق التوقيت عند الزوجات أثناء انتقاء لون الكمامة والقفازين.

نظرة إلى المستقبل

وبعد أن أنهى والدي حديثه وسرد لما بعض ما في جعبته من قصص وحكايات قديمة تشبه أفلام الرعب ولكن بالأبيض والأسود، حلقت بفكري بعيداً لأتأمل نفسي بعد عشرين أو ثلاثين عاماً من “كورونا”. ربما وقتها سأكون مكان والدي، أقص على أبنائي وأحفادي نتفاً من قصصي وحكاياتي.

أغمضت عيناي واستحضرت مشهدي: رجل خمسيني، ابيض شعره – هذا إن أبقي لي الزمن منه شيئاً – أرتدي بنطالاً من القماش وسترة من الصوف، انحنى ظهري وضعف بصري, ولكن بالرغم من كل تلك التحولات الجسدية أدس يدي بقوةٍ غريبةٍ يدي جيبي لأخرج تذكار النصر ودليل البقاء بعد الحرب، أقصد بعد الجائحة: إنها الكمامة.. لا تزال في جيبي. عندها بالتأكيد سينتاب أبنائي وأحفادي تعبيرات التعجب وربما السخرية من تلك الكمامة المستغربة لديهم والتي حملتها إليهم من كوكبٍ أو عالمٍ أخر يرونه أقل منهم تقدماً وعلماً، فعندها سيتعامل أحفادي – إن شاء الله – مع كورونا مثلما نتعامل نحن اليوم مع نزلات البرد العادية.