الشباب مسير أم مخير؟

سأبدأ مقالي هذه المرة بمقطع جميل من أغنية الفنان الراحل عبد الحليم حافظ {لست أدري} من تأليف الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي: (جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت، ولقد أبصرت للدنيا طريقاً فمشيت، وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت)، هذه الأغنية معبرة جداً عن حال معظم الشباب المصري، وتصف بدقة رحلة الشباب المصري في الحياة.

الشباب مسير أم مخير؟ 1 26/9/2020 - 2:19 م
  • لحظة الولادة:

يولد الشاب المصري في ظروف لم يختارها ولم يكن له أي يد في اختيارها، فهو لم يختار أبيه ولم يختار أمه ولم يختار عدد أفراد أسرته، ولم يختار مسقط رأسه ولا البيئة التي ينشئ فيها، وبالطبع لم يختار المستوى المادي والاجتماعي لوالديه ولا حتى المستوى الثقافي والتعليمي لهم، فليس لأحد منا اختيار في ذلك.

  • طريقة التربية:

من المعروف أن الطفل في بداية حياته يحتاج إلى الرعاية وإلى التربية، وتختلف طريقة التربية وفقاً للمجتمع الذي يعيش فيه الطفل، فالتربية في المدن تختلف عن تربية القرى والريف فلكل مجتمع عاداته وتقاليده وظروفه الخاصة تختلف باختلاف المكان وباختلاف المستوى الثقافي والتعليمي للوالدين وللأسرة التي يعيش فيها الطفل، فهل يختار الطفل المصري طريقة تربيته أم يتأثر بالعوامل المحيطة به، وهل يجد الرعاية والاهتمام الكافي في صغره أم يجد أبوين مشغولين بالسعي وراء لقمة العيش وبالعمل ليلاً ونهاراً من أجل توفير احتياجات أبنائهم، هل يجد الطفل المصري من يتابعه ومن يتابع أحواله ويحاوره ويناقشه ويعلمه ويوجهه بشكل مستمر أم يتركه أبواه أمام التلفاز طوال النهار ويعودا أخر النهار مرهقين من العمل والمواصلات بعد ما تركوا أولادهم لأفلام الكارتون تلعب بعقولهم وتسرح بهم في عالم من الخيال ليس له أي علاقة بالواقع، فهل اختار الطفل المصري هذه الطريقة أم وجد نفسه مجبراً عليها.

  • مستوى التعليم:

من أهم المراحل في حياة الطفل المصري هي مرحلة التعليم التي تأخذ سنوات من عمره وتحدد بشكل كبير مصيره ومستقبله في الحياة، فهل يكون له اختيار في هذه المرحلة بالطبع لا، من المعروف أن كل أب يتمنى أن يكون ابنه أفضل منه وكل أم تريد أن تكون بنتها أسعد حظاً منها في الحياة وفي التعليم، ولكن هناك عوامل كثيرة تتحكم في هذا الأمر.

أولاً: المستوى المادي للأسرة:

هناك أسرة تستطيع أن تدخل أبنائها مدارس دولية وأسرة تدخل أبنائها مدارس خاصة، وأسرة ليس لها بديل عن التعليم المجاني (المدارس الحكومية).

ثانياً: قناعة الأسرة:

يبدأ الطفل المصري حياة اختارها له أبواه وفقاً لقناعتهم الشخصية وليس وفقاً لما يناسبه، فمن الأسر من تفضل التعليم العام ومنها من تفضل التعليم الأزهري ومنهم من يرى أن التعليم الخاص والمدارس الدولية أفضل، وبالطبع كل هذه العوامل يتحكم بها الوالدين وليس للطفل اختيار في مستوى التعليم وإنما يتعلم وفقاً لرغبة أبواه.

  • مرحلة الثانوية العامة:

مرحلة الثانوية العامة هي مرحلة من أهم المراحل في حياة الشاب المصري وهي مرحلة مصيرية وحاسمة في تحديد مستقبله، فهل يكون له اختيار في هذه المرحلة وخاصة أنه تخطى مرحلة الطفولة وأصبح يدرك كيف تصير الأمور من حوله، للأسف الشديد حتى هذه المرحلة يتحكم فيها الوالدين بشكل أكبر بل ويمارسون ضغطاً كبيراً على الشاب في مرحلة الثانوية من أجل اختيار التخصص الذي يريدونه هم وليس ما يختاره هو سواء كان علمي أو أدبي دون الأخذ في الاعتبار رغبة الأبن وإمكانياته العلمية والشخصية، وكأنما جاء هذا الشاب إلى الحياة لتحقيق أحلام غيره وليس أحلامه هو، كأنما أنجبناهم ليحققوا ما عجزنا نحن عن تحقيقه، فهل أتينا بهم إلى هذه الحياة لنربيهم أم لنعذبهم؟

  • مرحلة التعليم الجامعي:

من أهم المراحل في حياة الشاب المصري، هي مرحلة التعليم الجامعي واختيار الكلية التي ينهي به دراسته الجامعية، فهل يكون له اختيار في هذه المرحلة الهامة جداً من حياته، للأسف لا، فهذه المرحلة بالرغم من خطورتها وأهميتها في حياة الشاب المصري إلا أن هناك الكثير من العوامل التي تتحكم فيها، ومن أهم هذه العوامل (مجموع الطالب- مكتب التنسيق- رغبة أبويه)، معظم هذه العوامل لا تراعي رغبة الشاب في اختيار الكلية التي يريد الالتحاق بها، فالأسرة تريده أن يدخل كلية الطب حتى يصبح طبيباً، فقط من أجل يفتخر به أبواه أمام الناس ولهم كل الحق في ذلك إذا كانت هذه رغبة الشاب نفسه، وأما مكتب التنسيق فليس له علاقة بأحلام الشاب ورغبات أبواه إنما يعتمد فقط على مجموع الطالب والكثافة الطلابية بالجامعات والتوزيع الجغرافي، فهل الشاب المصري مخير في هذا؟ بالطبع لا، ففي النهاية يجد الشاب نفسه في كلية لم يختارها ولا يحبها وفي النهاية يحصل على شهادة جامعية في مجال لا يحبه ولا يناسب إمكانياته.

  • سوق العمل:

بعد الانتهاء من مرحلة التعليم الجامعي، يسعى الشاب المصري إلى البحث عن وظيفة تناسب مؤهله الجامعي الذي حصل عليه أخيراً، فيحمل شهادته في جيبه ويدور بها على الشركات والمصانع والمحلات كل حسب مؤهله سواء كان (محاسب- محامي- مهندس- الخ) فيصطدم بمجموعة من الجمل القاسية تتحطم عليها كل أحلامه (لا يوجد وظائف خالية- اترك بياناتك وسوف نتصل بك لاحقاً- الخ)، فهل اختار الشاب المصري هذا أم أجبر عليه وما ذنبه أن سوق العمل غير متوافق مع المنظومة التعليمية.

  • السفر للخارج:

بعدما يعجز الشاب المصري في الحصول على فرصة عمل داخل بلاده يبدأ البحث عن وسيلة للسفر للخارج لأي دولة أخرى باحثاً عن أحلامه الوردية، ويبدأ في أخذ جولة طويلة بين شركات إلحاق العمالة بالخارج، وبعد البحث هنا وهناك يصطدم بواقع مرير ليس له فيه أي اختيار وهو ارتفاع تكلفة تأشيرة السفر إلى خارج مصر تختلف باختلاف الدولة المسافر إليها، تبدأ الأسعار من خمسون ألفاً إلى ما فوق المائة ألف جنيها، فهل يعقل هذا؟ شاب في بداية حياته لم يجد فرصة عمل مناسبة من أين له بهذه المبالغ الطائلة ولو كان معه مثل هذا المبلغ فما الذي يدفعه إلى السفر؟، للأسف الشديد لا يجد الشاب المصري أمامه أي اختيارات فإما أن يقترض المبلغ من أحد أقاربه أو أصدقائه أو يقبل أن يوقع على وصلات أمانة لوكيل السفر أو أن يجلس في بيته بدون عمل، ومعظم الشباب يلجأ إلى الحل الثاني ويبدأ رحلة سفره مديناً بمبلغ كبير يستغرق سنوات من الغربة من أجل سداده، وهناك عدد كبير من الشباب يختار حلاً ثالثاً أسوء من الحلول السابقة ألا وهو الهجرة غير الشرعية إلى أحدى الدول الأوروبية، فإما أن يموت غريقاً في البحر أو يُقبض عليه ويُرحل إلى مصر بعدما دفع مبلغ كبير لسماسرة الهجرة غير الشرعية، أو يعيش بشكل غير قانوني في هذه الدولة مطارداً من قبل السلطات في هذه البلاد.

  • تحديات الغربة:

بعدما ينجح الشاب المصري في السفر إلى دولة أخرى بغض النظر عن الطريقة التي سافر بها، يجد نفسه أمام تحديات صعبة جداً، فهو مطالب أولاً بسداد المبلغ الذي قام باقتراضه من أجل السفر والذي يستغرق من عمره سنوات من الغربة والعمل الشاق في مجال لم يختاره وليس له أي علاقة بمؤهلاته.

بعدما يتمكن الشاب المصري من سداد ديونه، يجد صعوبات من نوع أخر تلاحقه ويجد ضغطاً من أسرته من أجل مساعدتهم في توفير مصاريف تعليم أخوته وأخواته أو من أجل تجهيز أخته المخطوبة التي على وشك الزواج وتحتاج إلى مبالغ كثيرة من أجل جهازها، فيجد الشاب نفسه أمام أسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة (ما هذا أنا بالكاد انتهيت من سداد ديون سفري بعد عمل شاق لسنوات)، (ماذا أفعل أنا لا أستطيع أن أتخلي عن أبي)، (ولا أستطيع أن أترك أختي بدون جهاز، إن لم أساعدها فسيتركها خطيبها) ويدخل في صراع طويل بينه وبين نفسه (ماذا أفعل هل أنا ملزم بجهاز أختي)، (متى سأبدأ في تحقيق أحلامي)، أحتاج إلى شقة كي أتزوج وأحتاج إلى عفش وأحتاج إلى شبكة ومهر وخلافه، للأسف الشديد يدخل الشاب المغترب في دوامة من الأسئلة تستغرق الإجابة عليها سنوات من الغربة والعمل الشاق.

  • ما بعد الغربة:

بعدما يقضي الشاب المصري سنوات من عمره في الغربة قد تستغرق عقداً كاملاً من عمره ويرجع إلى بلده بعدما تخطى الثلاثون، ويبدأ رحلة البحث عن الشقة وعن الزوجة وعن الحياة السعيدة، وبعدما يرتبط بشريكة حياته ويعيش الحلم الذي من أجله اغترب سنوات طويلة، وبعدما أنفق كل ما جمعه من الغربة على تكاليف الزواج، يجد نفسه بين خيارين أحلاهما مُر إما أن يستقر في بلده ويعيش مع أسرته وزوجته كي يربي أولاده وبالطبع سيرجع إلى نقطة الصفر  من جديد ويبدأ رحلة البحث عن عمل ينفق منه على زوجته وأولاده إن وجد، وإما أن يضطر للسفر مرة أخرى كي يوفر لأولاده حياة كريمة ويوفر لهم نفقاتهم، ويحرم نفسه من تربية أولاده ومن رؤيتهم وهم يكبرون أمام عينه يوماً بعد يوم ويُحرم أيضاً من مشاركتهم طفولتهم ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، فهل يملك أي اختيار في هذا؟ وهل هذا هو ما أراده؟ بالطبع لا.

  • الغرض من هذا المقال:

ليس الغرض من هذا المقال الدعوة إلى التشاؤم وإلى الإكتئاب، بل هو دعوة إلى إلقاء نظرة على الشباب ومحاولة إيجاد حلول عملية لمشاكلهم والإحساس بمعاناتهم، لابد أن نحتوي هذا الشباب لأنه طاقة مكبوتة إن لم نستغلها نحن ونوجهم إلى ما ينفعهم ويخدم مجتمعنا سيستغلها غيرنا فيما يضرنا ويضرهم، إن لم نتكاتف جميعاً من أجل مساعدة الشباب فسنكون سبباً في تدمير أجيال كاملة.

قد نتحامل كثيراً على الشباب وقد لا تعجبنا كثيراً من تصرفاتهم، قد نرفض طريقة لبسهم وقصات شعرهم وطباعهم المختلفة عنا، ولكن وجب علينا أولاً أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً قبل أن نحاسبهم، ماذا قدمنا لهم كي نحاسبهم عليه؟

بقلم/ مدحت الصباغ