أيام فى زمن الكورونا: “صلوا فى رحالكم” – حمدي عمارة

“صلوا فى رحالكم”: أى بيتكم. لا أخفى عليكم أحبتى: لقد بلغتُ من الكبر عتيّا، وما سمعتُ بهذا النداء الذى سنّه رسول الله(ص) منذ 1441 عاما هجريا: يُطلقه المؤذن بعد الشهادتين، وذلك عند حدوث ما يحُولُ دون صلاة الجماعة بالمساجد أو الزاوايا؛ كالعواصف والأعاصير والأوبئة والجوائح.. وذلك تفاديا للعدوى؛ فقد يكون أحد المصلين مصابا أو حاملا للفيروس فينقله للبعض؛ فيتفشّى بالتالى فى الحى أو القرية و.. والدنيا بأسرها. ولستُ أبالغ فهكذا انتشر فيروس الكورونا وتفشى فى البلاد والعباد.

   الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا، بل كرّمه ونعّمه، ونهى عن إيذائه أو الإضرار به ، وحرّم قتله، وإمعانا فى التكريم؛ جعله سبحانه خليفته فى الأرض، وأمر الملائكة بالسجود لآدم، كما حفظ الإسلام للإنسان حقّه فى حياةٍ آمنةٍ لا ترويع فيها؛ فجعل نفسه معصومةً ودمه حراماً، وكعادة التنظيم الإرهابى المتأسلم وأئمته الأدعياء الجاهلون؛ الذين انتهزوا المحنة، وراحوا يهاجمون المسئولين أصحاب قرار غلق المساجد وحظر التجمعات الدينية فى مصر!؛ رغم إعلان السعودية حالة الطوارئ فى كافة المؤسسات وإغلاق المساجد ووقف مناسك الحج والعمرة لمواجهة هذا الفيروس الغاشم؛ الذى يأتى على الأخضر واليابس ويحصد أرواح الأبرياء؛ علما بأنه تمّ غلق دور العبادة فى شتى دول العالم؛ حتى فى تركيا وقطر، بل تبجح أحد كبارهم قائلا: “إن الحكومات التى تغلق المساجد؛ هى حكومات كافرة ارتدت عن الدين بعد الإيمان”؛ وكأن قرار الغلق يعنى تحريم الصلاة!؛ متغافلا القرارات التى تصدرها الحكومات بدءا من حظر التجوال إلى تقليل العمالة المتواجدة وغلق المقاهى والمحال عدا التى تبيع الاحتياجات الأساسية.

   وقال آخر: “إن كورونا وباءا مفتعلا، وأن من يُغلق المساجد ويمنع إقامة الصلوات يستحق القتال”، متجاهلا قرارات غلق الكنائس وخلوّ الفاتيكان من البشر بالنسبة للمسيحيين. فضلا عن تسبب استمرار زيارة الأضرحة فى إيران إلى انتشار كورونا كوباء، وإصابة ووفاة الآلاف؛ وفق إحصاء منظمة الصحة العالمية. فى الوقت الذى نشرت فيه مجلة “نيوزويك” الأمريكية مقالا يوضح أن نبىّ الإسلام محمد (ص) كان أول من دعا إلى الحجر الصحى؛ فى مواجهة الأمراض المعدية والأوبئة، والالتزام والصلاة كل فى رحاله؛ فحين سئل(ص) عن مرض الطاعون؛ فقال: “إذا سمعتم الطاعون بارض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها”، وليس هذا بجديد عليهم؛ لقد استنكروا حديث الرسول (ص) عن أجناد مصر، ورباط المصريين إلى يوم القيامة، ويُنكرون كل ما يعود بالخير على مصر. وهاهم يهاجمون قرار تأمين المواطنين من الخطر الداهم. وإنى أتساءل: إذا لم يلزم الناس رحالهم فى أيام الجائحة؛ التى تحصد الآرواح فمتى يلزمونها؟ وأى دين يعرّض معتنقيه للهلاك ؟!.

   إنهم ماضون فى غيّهم وضلالهم ولن يغيّروا ما بأنفسهم؛ فلا يتورعون عن استغلال الأزمات الإنسانية والوطنية للمزايدة والتضليل والتجهيل ونشر الفتن والشائعات المُغرضة والأكاذيب والأضاليل، وكل من أجل تحقيق مكاسب رخيصة؛ بغضّ النظر عن الأضرار والكوارث التى تُشهر أنيابها لتفتك بالجميع؛ خاصة مع انتشار الفيروس المستجد الذى صار وباءا يهدد البشرية؛ إذ وجده أولئك الأبعدون ـ الذين يتاجرون بالدين ـ بيئة خصبة وفرصة سانحة للخروج من الجحور لإشاعة الفتن وتضليل الناس واستغلال البسطاء والدفع بهم إلى الهلاك، ولكنهم تعرّوْا وانكشفت ألاعيبهم ومؤامراتهم أمام الدنيا؛ فبانت سوءاتهم، وكشفوا عن تطرّفهم وغلّهم وافتراءاتهم والغيظ الذى يأكل قلوبهم : “وإذا لَقُوكُمُ قَالُوا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلِيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الُغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ”. ولا يتوقفون عن سياسة التحريض؛ إذ ادعى أحد كبار جُهالهم؛ أن قرارات الحكومات ماهى إلا استعراضا لقوة الدولة؛ لحث الناس على الرد بالقوة وإشاعة الفوضى !.

لا ولن يتخلى التنظيم الإرهابى عن دأبه لتحقيق أهدافه السياسية الخبيثة تحت أى ظرف وأى شعار، ولن يتوقف عن إشعال الفتن فى المجتمعات وتعريض حياة الناس للخطر دون مراجعة للنفس والضمير. وأذكرهم بكلام الله جلّ وعلا: ” واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون “.