أقلهن مهراً أكثرهن بركة

نستعرض في هذا الموضوع تكاليف الزواج بين الماضي والحاضر ونقارن بين الزواج في عصرنا الحالي وبين الزواج في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وزواج الصحابة وصولاً إلى زواج آبائنا وأجدادناً، والعلاقة بين ارتفاع نسب الطلاق في مجتمعنا والمغالاة في تكاليف الزواج. أقلهن مهراً أكثرهن بركة 1 13/10/2020 - 8:50 م

أقلهن مهراً أكثرهن بركة 2 13/10/2020 - 8:50 م

أولاً: الزواج في عصر الرسول (صلى عليه وسلم) والصحابة:

كان الزواج في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة قائم على البساطة والمعاشرة بالمعروف وحسن الاختيار كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الشريف {تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك}، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}.

ثانيا: مهر بنات الرسول (صلى الله عليه وسلم):

تزوجت السيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) من سيدنا علي بن أبي طالب (كرم الله وجه) وكان مهرها درع كان يستخدمه سيدنا علي في الحرب، لم يكن مهرها ذهباً ولا فضة ولا دراهم ولا دنانير، وهي من هي، هي خير النساء نسباً ابنة خير خلق الله وخاتم الأنبياء والمرسلين وهي من قال فيها سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم): {حسبُك مِن نساء العالَمين أربعٌ: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد}، ولعله لو عرض على أي فتاة في زماننا هذا الزواج بلا ذهب وبلا شبكة لرفضت الزواج حتى لو كان الشاب المتقدم لها على درجة كبيرة من العلم والخلق الرفيع.

ثالثاً: مهور الصحابة:

زوج النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) كثير من الصحابة على مهور بسيطة ليس لها علاقة بما يحدث في أيامنا هذه، وكان منهج الرسول (صلى الله عليه وسلم) تيسير زواج الشباب وتيسير الحلال، فمن الصحابيات من كانت مهرها حفظ سورة من سور القرآن الكريم، ومنهن من كانت مهرها حفظ عشر آيات من القرآن الكريم، ومنهن من اشترطت أن يدخل من يريد الزواج في الإسلام فقط ولم تطلب مهراً، والعجيب أنها ترضى وتكون سعيدة لأنهن كن يبحثن عن التقوى والصلاح، ولم يكن يبحثن عن الأموال والمناصب والسيارات والعمارات كما تبحث فتياتنا في هذه الأيام، وليس في ذلك عيب، ولكن العيب أن تبنى معايير الزواج في الأساس على المال والوظيفة والمكانة الاجتماعية وليست على الدين والأخلاق والصلاح والتقوى.

رابعاً: الزواج في عصر آبائنا وأجدادنا:

لعلنا سمعنا من آبائنا وأجدادنا العديد من قصص زواجهم والظروف الصعبة التي بدأوا بها حياتهم سوياً والمعاناة التي تحملوها في بداية حياتهم وكيف تعاونوا معاً في تربية أبنائهم، فمنهم من تزوج بدون ذهب ومنهم من تزوج في غرفة صغيرة في بيت العائلة الكبير وحمام واحد مشترك بينهم وبين إخوتهم وزوجاتهم، ومنهم من تزوج على سرير مصنوع من الطين وكانت كل محتويات عش الزوجية عبارة عن حصيرة وزير ماء وبعض الأواني النحاسية للطبخ ومع ذلك نجحوا في تكوين أسرة مترابطة قوية أنتجت لنا عباقرة في كل المجالات (أطباء- مهندسين- أدباء- الخ).

خامساً: الزواج في عصرنا الحالي:

لم يعد يخفى على أحد ارتفاع تكاليف الزواج في هذه الأيام فكلنا رأينا بأعيننا وسمعنا بآذاننا عن تكاليف الزواج الخيالية في هذه الأيام بداية من ثمن الشقة التي أصبحت بملايين الجنيهات إلى شبكة العروس (الذهب) الذي أصبح الحد الأدنى له خمسون ألف جنيهاً على الأقل مروراً بقائمة المنقولات الزوجية التي تخطت المليون جنيه على الأقل، وأتحدث هنا عن تكاليف الزواج في مجتمع الفقراء والبسطاء، فلا علاقة لهذا الموضوع بالأغنياء من قريب أو بعيد، إنما أتحدث عن الغالبية العظمى من الشباب والبنات، فالشاب يتخرج من الجامعة بمؤهل ليس له علاقة بسوق العمل من قريب أو بعيد ويظل يبحث عن فرصة عمل بدخل مناسب لاحتياجاته فلا يجد فيبحث عن فرصة سفر إلى أحدى الدول باحثاً عن المال الذي يبدأ به تحقيق أحلامه وبناء مستقبله ثم يعود إلى وطنه باحثاً عن شقة تناسب إمكانياته المادية ثم يبحث عن فتاة تناسبه ثم يبدأ مراسم الزواج بشراء شبكة (ذهب) لا تقل عن خمسون ألف جنيه ثم يبدأ في تجهيز شقة الزوجية بالموبيليا والمفروشات والأجهزة التي تكلفه مئات الآلاف، وتبدأ العروس في البحث عن الأجهزة الكهربائية والسجاد وغيرها من مستلزمات الزواج، وقد يقترض والدها من الناس أو البنوك من أجل تجهيزها، هذا بالإضافة إلى تكاليف ليلة الزفاف ومصاريف القاعة والمطربين والمطربات وخلافه.

سادساً: تأثير الديون والضغوط المادية على الحياة الزوجية:

كل هذه التكاليف الباهظة للزواج تضع ضغطاً كبيراً على الزوجين في بداية حياتهم وتجعلهم يبدؤون حياتهم معاً بضغوط نفسية رهيبة وبأذهان مشتتة غير صافية فلا يستطيعون الاستمتاع بأجمل أيام حياتهم معاً من كثرة التفكير في الديون، ومطالبات الدائنين المستمرة بعد الزواج بأيام قليلة، وخاصة أن الغالبية العظمى منهم يبدأ حياته بديون طائلة لا يعلم كيف يسددها، فقد كان كل همهم أن يصلوا إلى هذه اللحظة ولم يفكروا فيما بعدها ومنهم من ينجح بتوفيق الله وحده في سداد ديونه وبمساعدة أهله.

ولكن الغالبية العظمى للأسف الشديد تبدأ الخلافات بينهم في الشهور الأولى للزواج، بل إن منهم من تبدأ الخلافات بينهم في الشهر الأول للزواج، الذي كان يسمونه قديماً (شهر العسل)، ومنهم من يدخل في صراع طويل مع الدائنين، مما يكون له أثر سلبي على حياته الزوجية ويعكر صفو الود والمحبة بين الزوجين، ثم تبدأ بعدها رحلة معاناة طويلة داخل محاكم الأسرة.

الخلاصة:

كلما ابتعدنا عن سنة الله في أرضه وهدي نبيه (صلى الله عليه وسلم) كلما زاد شقاؤنا وزادت معاناتنا، فإن الله لم يضع شروطاً للزواج سوى المعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان والاختيار على أساس الدين والتقوى.

وأختم مقالي هذا بحديث سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم):

عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: {أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة}.

بقلم/ مدحت الصباغ