حصري.. حوار “نجوم مصرية” مع باحث في شئون الهجرة غير الشرعية.. أسرار ومعلومات نكشفها لأول مرة

حاوره / شهيناز شوقي

غرق مركب رشيد

في ظل الأجواء الحزينة التي تعيشها البلاد في أعقاب غرق سفينة مركب وارتفاع عدد الضحايا إلى 160 شخصا حتى الآن أغلبهم من الأطفال، كان لابد من البحث في تلك الظاهرة، التي تزداد يوما بعد يوم، مخلفة المزيد من الضحايا والمفقودين

وفي لقاء مع الأستاذ “نور خليل” الباحث الميداني في شئون الهجرة الغير شرعية والذي بدأ المشوار بالعمل التطوعي منذ عام 2012 6في مشروع ” بلدنا أولى بأولادنا” وكان الهدف منه الحد من الهجرة الغير شرعية خصوصا بين الأطفال وكان ذلك بالتعاون بين Save the Children – EGYPT CO هيئة إنقاذ الطفولة، برنامج مصر، Alexandria Branch YAPD بدعم من الاتحاد الأوروبي. يروي لنا أستاذ نور خليل الأسباب المباشرة وراء تلك الظاهرة، وما يمكن أن يقوم به المجتمع المدني للتصدي لها والحد من انتشارها بهذا الشكل الذي أوصلنا لتلك الأوضاع المأساوية والتي تجلت في غرق مركب رشيد، وعلى متنها ما يقرب من 500 شخصا معظمهم من الأطفال.

كيف بدأت العمل وماذا كانت ملاحظاتك؟

في بداية العمل أثار انتباهي التركيز على الأطفال وتساءلت كيف يمكن لأطفال تحت سن 18 أن يعرضوا حياتهم للخطر وكيف يساعدهم آباؤهم على ذلك، خصوصا وأن الرحلة تستمر لعدة أيام في عرض البحر وفي سفن متهالكة وغير مجهزة. وبدأت النزول إلى القرى التي انتشرت فيها ظاهرة الهجرة الغير شرعية للوصول إلى الأسباب التي تدعو هؤلاء الناس إلى تلك المغامرة المهلكة.

هل وصلت لحل ذلك اللغز؟

تابعت الموضوع منذ بدايته لأعرف أن سفر الأطفال تم منذ فترة قصيرة، ولكن الموضوع بدأ بالشباب والرجال في محاولة للهروب من البطالة وضيق الحال والسعي وراء وهم الثراء السريع بالاختفاء داخل البلد والإقامة غير الشرعية فيه وممارسة أي اعمال أو الزواج من أجنبية للحصول على الجنسية. ولكن اشتدت السلطات في مطاردتهم وترحيلهم وأصبحنت فرصهم ضعيفة ويعودون مرحلين من تلك البلاد وهم مكبلون بديون تكاليف السفر التي لم تسدد،  فإما الأرض أو البيت مرهون، أو موقع على نفسه شيكات بغير رصيد على أمل أن يسددها من عائد عمله ومكسبه.

وكيف ومتى بدأت فكرة تسفير الأطفال؟

ومنذ 10 سنوات تقريبا بدأت فكرة تسفير الأطفال تحت 18سنة بدلا من البالغين المطاردين. أما لماذا الأطفال فذلك لأن دول الاتحاد الأوروبي مجبرة على استلام الأطفال دون الثامنة عشرة حسب قوانينهم وعدم ترحيلهم باعتبار أنهم أطفال ومعرضون للخطر ومن الواجب حمايتهم وتقديم الرعاية لهم، حيث يتم إيداعهم في دور للرعاية يتعلموا فيها السلوك القويم واللغة وحرفة يمكنهم ممارستها والعمل بها، كما يوفرون لهم مبالغ بسيطة “مصروف جيب” ويسمحوا لهم بالخروج والتنزه يوما في الأسبوع.

وكيف وصلت تلك المعلومات للأهالي في القرى والنجوع؟

وصلت عن طريق الشباب العائد والذي شاهد بنفسه الإبقاء على الأطفال وترحيل الباقين حيث تقوم الجهات بالكشف الطبي الجميع وتحديد السن عن طريق الكشف على العظام فيتم ذلك بمنتهى الدقة ولا يمكن التلاعب في موضوع السن، وأيضا عن طريق السماسرة الذين يزورون تلك القرى باستمرار ويقومون بتجميع الشباب والأطفال.

كيف يتم تجميع الراغبين في الهجرة وكيف تتم الرحلة؟

بداية عملية السفر ليست رخيصة فالشخص الواحد يتراوح تكلفته ما بين 25 ألف إلى 50 ألف جنيه، كانت تدفع مرة واحدة قبل السفر، لكن الناس ازدادوا خبرة بعد انتشار عمليات النصب عليهم فقرروا أن يكون الدفع بعد إتمام العملية والوصول للبلد المستهدف بسلام ويقوم الأب بالتوقيع على إصالات أمانة لحين السداد.

وكيف تتم عمليات الاتفاق؟

الاتقاق عادة يتم بين وسيط يكون غالبا شخصية مرموقة من أهل البلد مدرس أو مدير مدرسة، أو عمدة البلد يستم عن طريقه تجميع الراغبين في السفر وعندما يتم تجميع عدد ما بين 100 إلى 300 فرد يتم تسليمهم للسمسار الذي يقوم بتنظيم الرحلة حيث يقوم بتجميعهم في مكان قريب من البحر يسمى (التخزين أو المخزن). يقوم السمسار بالاتفاق مع صاحب المركب الذي سوف ينتظرهم في عرض البحر من نوعية مراكب الصيد المسموح لها بالتواجد في المياه الدولية، فيقوم بنقل المسافرين في قوارب مطاطية حتى لا ترصدهم الردارات بعد أن يأخذوا منهم كل متعلقاتهم الشخصية وعند الوصول للمركب يقوموا بإخفائهم داخل ثلاجات السمك. يقوم صاحب المركب بالتبليغ عن سرقة المركب حتى أذا صادف وتم اعتراض المركب أو لو غرقت لا يتهم بقيادة مركب تقل مهاجرين غير شرعيين. وعند الاقتراب من السواحل وغالبا تكون السواحل الإيطالية يكون أمامه أكثر من اختيار. أما أن تكون المركب سليمة ويمكن أن يعود بها إلى مصر فالاختيار الأول أن يركبوا الزوارق المطاطية مرة أخرى ويعطيهم مسدس إشارة لو بدأت المراكب في الغرق يطلقوه حتى تأتيهم نجدة تنقلهم إلى الشاطئ أو يستكمل بهم حتى يكسر الشط بالمركب ويعطي اشارة استغاثة وتبدأ عمليات إنقاذهم، وتبدأ الجهات المعنية في اتخاذ الإجراءات من فحصهم بحيث أن من لهم حق اللجوء مثل السورين والسودانيين والصوماليين تستلمهم المفوضية السامية لشئون اللاجئين، والأطفال يتم توجيههم إلى دور الرعاية، والرجال المصريين ومن ليس لهم حق اللجوء فيتم احتجازهم حتى يعاد ترحيلهم إلى بلادهم.

ما هي مدة الرحلة تقريبا وكيف يقضي المهاجرون هذا الوقت؟

مدة الرحلة أسبوع يكون زاد المسافر كسرة خبر وزجاجة مياه واحدة يتقاسمها مجموعة معا، وليس معهم أي اغطية بل يحتضن بعضهم بعضا في أيام البرد القارص يدفئون بعضهم بعضا. وطبعا الحجة في ذلك ألا يزيد الوزن والحمولة على المركب بالطعام والغطاء وما شابه ذلك. إضافة إلى أنهم يعاملون معاملة غاية في القسوة لدرجة أن أي اعتراض يحدث يهدد صاحبه بالإلقاء في البحر. وطبعا أي حالة وفاة تحدث على المركب يتم التخلص من جثته بالرمي في البحر بكل سهولة.

بالطبع هناك من الرجال من يتمكن من الهرب سواء من الحجز أو عند الوصول دون الوقوع في أيدي المسئولين، طبعا هؤلاء يلجؤا في معظم الأحوال للعمل في أعمال مشبوهة وغير قانونية، ويتم استغلالهم من قبل اصحاب الأعمال بسبب التستر عليهم وإخفاء أمرهم، وحتى يتمكنوا من جمع أكبر مبلغ من المال يفكون به رهن بيت أو ارض لسداد تكاليف الرحلة.

وماذا عن الأطفال؟ هل يلتزمون دور الرعاية ويطيعون الأوامر؟

القليل منهم يلتزم لأن الطريق السوي لن يمكنهم من الحصول على المال الوفير الذي يتوقعونه والذي من المفترض إرساله لذويهم لسداد دين السفر. أما الغالبية فيهربون من دور الرعاية ويجدوا من يتلقفهم إما للإتجار بهم أو استخدامهم في تجارة ممنوعات أو التهريب، أو الدعارة وبذلك يكونوا قد ضاعوا إلى الأبد. كما أن تجارة الأعضاء الرائجة هذه الأيام هم ليسوا بمأمن منها.

بالتأكيد ليس كل المهاجرين يستطيعون الوصول للشواطئ الأوروبية. فماذا يكون مصيرهم؟

طبعا ليست كل الرحلات ناجحة بل أن كثيرا ما تتعرض المراكب للغرق كما حدث مع مركب رشيد حيث الحمولة زائدة عن قدرة المركب وأساسا  تلك في الأصل مراكب صيد تم تكهينها لعدم الصلاحية فتستخدم في تلك الآنشطة المشبوهة وينتهي الحال بها إلى الغرق ومن يستطع السباحة سوف يواصل إلى اقرب شاطئ وغالبا يوهموهم بأنهم قريبين من الشواطئ الإيطالية وهم في الواقع على السواحل الليبية فإما يطلق عليهم النار أو يؤخذوا أسرى أو يتم تجنيدهم ضمن الإرهابيين أو استخدامهم في الاتجار بالأعضاء وكلها نهايات مأساوية بكل المقاييس.

وكيف يقبل الأهالي على تسفير ابنائهم طالما الصورة قاتمة والطريق كله مهالك، وفي نفس الوقت يتكلف مبالغ كبيرة كان من الممكن أن تساعد في إقامة عمل جيد يوفر حياة كريمة؟

لابد أن ندرك أن تلك الحوادث تحدث في المناطق التي تتسم بجهل كامل وغياب تام لأي توعية من أي نوع. هناك افتقاد لدور الدولة التي يجب عليها أن تولي هذه المناطق اهتمامها، ومن هنا حاولت هيئات الجتمع المدني القيام بدور حصر تلك المناطق والتعامل معها سواء بالتعليم أو نشر التوعية بين المواطنين، وبدلا من أن تمد الدولة يدها للمساعدة أو حتى لدعم من يقوم بهذا الدور إذا بها تناصبهم العداء وتوجه لهم اتهامات باطلة لدرجة شوهت من خلالها العمل المدني واتهمته بالعمالة والتمويل من الخارج علما بأن أي تمويل يتم وفقا لاتفاقيات وقعت عليها الدولة وتخضع لرقابتها بالكامل، فما كان منها إلا أن أوقفت عمل ونشاط تلك الهيئات دون أن تقدم البديل لتلك المناطق التي سقطت من اهتمام الدولة المصرية فلا تعليم ولا خدمات ولا فرص عمل، حتى أنه عندما سئل احد الناجين لماذا عرضت نفسك للهلاك؟ وماذا لو أنك قد غرقت ومت فعلا؟ فكان رده ” على الأقل حأوفر لقمتي”. إلى هذا الحد وصل بهم اليأس والهوان حتى هانت عليهم أرواحهم.

لم لا تأخذ الدولة خطوات جادة تجاه القائمين على تلك الرحلات، والمتسببين في إزهاق مئات الآرواح سنويا؟

.. لان معظم اللي شغالين في عمليات تهريب المهاجرين أو تهريب البضائع حتى بيكونوا رؤس تقيله جداً (لوائات – اعضاء مجلس شعب – رجال اعمال) وعمليات التهريب بتحقق مكاسب مهولة يقدر أن السمسار يشتري بها اي حد واي حاجة في دولة محققة معدلات دولية في الفساد في الاجهزة الامنية..

إذن ما هو الدور الذي تتوقعه من الدولة في هذا الاتجاه؟ وهل هناك من فرص للحد من تلك الظاهرة والقضاء عليها؟

 من واقع التجربة اقدر اقول أن الحكومة والبرلمان شركاء في الجريمة دي سواء كأشخاص تابعين ليها بيسهلوا عمليات الهجرة أو بيشتغلوا فيها ومفيش اي رقابة عليهم.. أو من ناحية عدم وجود تشريعات قوية متعلقة بالقضية وتفصيلاتها وتطورها كل يوم.. أو عن طريق تعطيل منظمات المجتمع المدني عن اداء دورها تجاه القضية. أو عن طريق الفشل الاقتصادي الذريع اللي جاب احباط للمواطنين وخلاهم وصلوا للمرحلة دي.. أو عن طريق قفل المجال العام مقابل كل الاراء أو الاتجاهات الجديدة أو المغايرة لتوجه النظام واللي صنع حالة من اليأس أو عدم وجود أمل في التغيير أو التحسين ولو حتى على المدي المتوسط..
أنا رأيي إن الحكومة لو مش هتعمل أي حاجة تجاه القضية دي فعلى الأقل تسيب النشطاء والمنظمات الدولية والمحلية والباحثين يقوموا بدورهم تجاه الموضوع.. وتوقعي أن ده مش هيحصل لإن المنتفعين من ورا الموضوع ده كتير وسلطاتهم ونفوذهم كبير جداً واصل للشرطة والجيش والبرلمان والحكومة.
ملحوظة (كل المعاومات الموجودة في البوست عن تجربة مباشرة مع القضية ومن مصادر مباشرة وناجين )
رحم الله أبنائنا وأهلنا.. وحفظ الله الباقيين

هكذا انتهى حوارنا مع الباحث الميداني ” نور خليل” بعد أن كشف لنا العديد من الأسرار حول موضوع الهجرة الغير شرعية وخصوصا بين الأطفال


قد يعجبك أيضاً

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.